الاعتبار من بدايات الوحي…الحلقة 7

سنتناول ابتداء أهم الأحداث التي ثبتت في السيرة الصحيحة، ثم نبدأ في الحديث عن بعض الدلالات المحتملة لهذه الأحداث والتي يمكن أن تستفيد منها الأمة في واقعنا المعاصر.

أما أهم الروايات في هذه الفترة التي تصح فهي:

  • تسليم الحجر على المصطفى قبل النبوة.
  • الرؤيا الصادقة وحب الخلاء وتحنثه في غار حراء.
  • كان عمر المصطفى عند نزول الوحي أربعين سنة.
  • خوفه مما يراه ويسمعه وطمأنة خديجة وذكرها لمناقبه، وطمأنة ورقة بن نوفل له.
  • فترة انقطاع الوحي وحزن الرسول على ذلك.
  • كيفية إتيان الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
  • أول ما نزل من الوحي “اقرأ” وأول ما نزل بعد انقطاع الوحي” يا أيها المدثر“.

الشواهد والدلالات المحتملة:
تبدو القصة هنا في مرحلة تهيئة بشر واعد لاستقبال الوحي، والتقاء السماء بالأرض، امتداداً لأحداث مبكرة صحت رواياتها من حين ولادته، كظهور البركات في حياة من احتضنته، وحادثة شق الصدر، ومن ثم رحلته للشام، كل تلك القصص كانت ولا شك مختزنة في وجدان الرسول كما سمعها وعاشها، وهي تفسر بدرجة ما تشوقه لهذا الحدث العظيم. فكل تلك الإشارات كانت كفيلة بتهيئة الرسول لحدث عظيم، لم يكن يدرك أبعاده ولكنه كان يرى نذره وإرهاصاته.
ثم جاء الحدث العظيم ونزل القرآن ب” اقرأ”، وسنقرأ الحدث من زاوية إطلاق المشروع الحضاري الإسلامي للعالمين… فهذه اللحظة غيرت مسار الإنسانية ليس على سبيل المبالغة؛ ولكن على سبيل ذكر الحقيقة المجردة، كما بدت لنا من دراسة التقدم الإنساني، من خلال ضبطها لعلاقة الدنيا بالآخرة وإطلاق طاقات العقل ومنهجية البحث التي هي من أهم مقومات الحضارة المعاصرة ومن ثم إطلاق أهم المبادئ التي تفاخر بها البشرية اليوم.
فبذور المنهج العلمي واضحة في القرآن حين نقرأ قول المولى عز وجل في القرآن المكي “قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ‘ن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون”{الأنعام: 148}، “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً” {الإسراء: 85}، “إنما يخشى الله من عباده العلماء” {فاطر: 28}، وغيرها من الآيات التي أسست لمنهجية التفكير العلمية.
ونحن إذ نقول ذلك نقوله وفي قلوبنا حسرة لعظم ما فرطت فيه بعض أجيال هذه الأمة في ديمومة تفعيل هذه البذور وغفلتها عنها، فانتقلت بفعل السنة الإلهية إلى يد أمم أخرى “وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” {محمد: 38}، فليس وجودها في كتاب ربنا وسنة نبينا حجة لنا كما يتوهم البعض، بل هي حجة علينا. فكون أمم الأرض التي لم ينزل بلسانها الوحي نقلت ونقحت وأعملت عقلها في تفعيل ما بين أيدينا في حين عجزنا نحن أهله عن تفعيل منظومته القيمية، والوجدانية، والعقلية، والتطبيقية لهو مثار سؤال ومثار اعتبار ومثار بحث وتأمل عند أولي الألباب. أما عند أولي الغفلة فهومثار كسل، وتكأة عاجز، وفخر بجهل، وحماسة ممزوجة ببلادة.. نعوذ بالله منها.

فماذا نقرأ في نقطة البدء؟
أولاً:
القراءة… والقلم … العلم..  تلك هي نقطة البداية في ما نزل لإطلاق المشروع، ومن العجيب أن ينزل ذلك في أمة طابعها العام الأمية وعلومها القليلة تعتمد على حفظ الفؤاد لا حفظ الكتاب. وكان يمكن أن يقال اقرأ ويقصد به للوهلة الأولى أعد وكرر، ولكن القرآن لا يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لتأويل هذا المعنى فيربط القراءة بفعل القلم وبموضوع العلم… إنه تجاوز لمعطيات المكان والزمان لبلاغ يشمل الإنسان في كل زمان ومكان… فبالعلم تقوم الحضارات، وبالإيمان تسمو وترتقي “اقرأ باسم ربك الذي خلق” {العلق: 1}. فهل نجازف حين نقول أن أية حضارة لا تعتمد العلم منهجا لن تقلع؟! وأن أية حضارة لا تعتمد الإيمان طريقاً لا تسمو وتحلق؟ ولعل من المدهشات أن تكون السورة الثانية في ترتيب النزول حسب البرهان للزركشي هي سورة (القلم).
ومرة أخرى ماذا يعني ذلك لجيل النهضة المرجوة ولشباب اليقظة المطلوبة؟ أين تقع القراءة والمنهج العلمي في جدول أولوياتهم. إنه ما لم ننتقل من الفكرة للعمل وما لم نقس صدق الإيمان بمعيار تخصيص الأوقات وإحسان العمل في مجال العلم؛ فلا معنى للفهم ولا قيمة له.

ثانياً:
والدلالة الثانية لحامل لواء المشروع هي أهمية التزود بالإيمان والتقوى، مع مراعاة الفارق بين مقام النبوة المخاطبة ومقام سائر أفراد الأمة.. وننبه على ذلك لأهميته… فالمقاربة التي تحدث عنها الكثيرون تحيل ما كان خاصاً بالنبي إلى مطلب حرفي لكل من يعمل لحمل مشروع النهضة، ونحن هنا نؤكد الفارق بين تكاليف النبي وتكاليف البشر العاديين، خاصة من ناحية الكم.. فموضوع سورة المزمل (حسب الزركشي هي السورة الثالثة في ترتيب النزول) مثلاً قيام الليل الطويل، لم يتحمله حتى الجيل الأول وجاء التخفيف في نهاية السورة “…فاقرءوا ما تيسر منه، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقرضوا الله قرضاً حسناً، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم” {المزمل: 9}. ويظل جنس هذه العبادات زاداً لكل مجتهد بل لكل إنسان ساع على وجه البسيطة، وهو في حق من يتولى الدعوة لهذا الدين آكد، ولكن بما تطيقه فطرة الإنسان، والتمييز بين ما هو في وسع نبي وما هو في وسع عموم الأمة. وتأتي سورة المدثر لتطلق آلية الحركة بقول حاد قصير سريع الإيقاع “قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر” {المدثر: 1-7}.

وعند تجريد المشهد من بعده الإسلامي يمكن تلخيص الشروط الأساسية للفعل النهضوي:

  1. شرط في نوع التحرك: أنه مبني على العلم والمنهج العلمي.
  2. شرط في القائم بالمشروع: العلم – الطاقة الداخلية (الإيمان بالمشروع) – قابلية الإتباع (أن يتمتع بدرجة من المثالية القيمية تجعل الآخرين يتبعونه)- أولوية الهدف في حياته – الصبر.

هكذا بدأ المشروع الإسلامي، وهكذا كان لقاء الأرض بالسماء مفعماً بلغة العلم والإيمان، وهكذا وضعت البذور الأساسية – على قلتها – التي تمكن أية حضارة إنسانية من الإقلاع.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: