الرسول والمنهج.. ومنهج الرسول…الحلقة 8

شهدت مرحلة الصحوة حديث أغلب مكونات التيار الإسلامي عن اتباعها لمنهج الرسول في التغيير، وتعددت رؤاها تبعاً لاستنباطها لذلك المنهج في ضوء فهمها للقرآن الكريم، وقراءتها للسنة النبوية الشريفة والسيرة المعطرة. وكان من أهم محور استقطاب تلك الجماعات للأفراد الراغبين في نصرة الإسلام هي ادعاء الفهم الأفضل والممارسة الأرشد لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في العبور بالجماعة المؤمنة رحلة التمكين لدين الله في الأرض.

اللافت للانتباه أن كلمة “المنهج” بمعنى الخطة السياسية الواجبة الاتباع لم تحظ من قبل بمثل هذا الحضور الذي حظيت به في فترة الصحوة، فقد عرفت كلمات مثل “السنة” و”الشمائل” و”الهَدْي”، لكنها كلها لم تكن تفي بالغرض الذي تريده الحركات الإسلامية، وهو أننها تتبع أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في التمكين، فكانت فكرة “المنهج”. ولا نقول كلمة “المنهج” لأنه ربما استخدمت من قبل، لكننا نعني هنا فكرة “المنهج” باعتباره خطة عمل سياسية يجب التعبد إلى الله باتباعها ووصفة جاهزة لاداعي لإعمال العقل بعدها.

ظهور فكرة المنهج
ظهرت فكرة المنهج في الخمسينيات والستينيات مع توالي إخفاقات المحاولات الأولى للصحوة، والتي عزت إخفاقها إلى عدم إدراكها للمنهج الذي عمل به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاءت كتابات سيد قطب عليه رحمة الله لاكتشاف المنهج، وبالتالي معرفة سبب الإخفاقات، وكأطروحة لإعادة إنتاج المشهد الأول بتفاصيله ومسمياته، والذي سيتكرر بشكل ما برغم تغير الظروف والأحوال، لأن المنهج بهذا المعنى لا يتخلف.

ما المقصود بالمنهج ؟
والمنهج هو في نظر من أصلَّوا له هو سنة الله التي لا تتبدل، والطريق الواضح الذي بالسير فيه يتم التوصل للتمكين لدين الله، والذي يمكن استخدامه في كل مرة للتوصل إلى نفس النتائج.

كيف تم توظيفها؟
لقد تم تطوير فكرة السنة والسيرة من خلال القول بأن هناك منهجاً واضحاً لو اتُبع خطوة خطوة لأمكن إعادة إنتاج الدولة الإسلامية، والطرح يبدأ بأن أوجه التشابه في الحالتين واحدة، فها هنا عالم اليوم محكوم بالروس والأمريكان وهناك بالفرس والروم، وهنا الجاهلية المعاصرة وهناك الجاهلية الأولى، وهنا الدولة تضطهد من يطالب بالدولة الإسلامية وهناك قريش التي تضطهد المسلمين الأوائل، وهنا الغربة الأخيرة وهناك الغربة الأولى، وبالتالي فلابد من إعادة المشهد بأن تعتبر مرحلة الاضطهاد الحالية قرينة المرحلة المكية بمراحلها ومفرداتها، السرية، ودار الأرقم، والقاعدة الصلبة، ومرحلة الابتلاء والمحنة تشكل المقدمات الطبيعية للوصول إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التمكين أو الدولة ويمتد أفق هذه المقاربة عند حزب التحرير مثلاً حتى الإطار الزمني (13سنة) كمقياس لصحة الطريق.  فما كان يدرس في الأجيال السابقة باعتباره تاريخ نشوء الدعوة وصبر الأوائل على مرحلة البدء. طُوِّر في هذه المرحلة ليصبح الطريق لإنتاج الحالة ذاتها في كل عصر.
وإنه لمن المثير للدهشة حقاً كيف وصل العقل المسلم لهذه الفكرة، واقتنع بها وروجها على مدار عقود، فكرة أننا علينا أن نتبع نفس الخطوات التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة التمكين. وقد أدى انتشار هذه الفكرة إلى عدة أمور عطلت مسيرة النهضة الإسلامية، ونذكر منها:
·
إصابة العقل بالبطالة العقلية، وطعن في جوهر الرسالة السماوية التي هي بالأساس رسالة إعمال عقل من أجل خلافة الأرض، فلكم خاطب القرآن أولي الألباب والأبصار، وهذا في حد ذاته يعني أن الدين لم يتنزل على مجموعة من الأغبياء عليهم أن يتبعوا خطوات واحدة نحو التمكين معروفة سلفاً. فأين هو ابتلاء الله للعقول؟ وأين دور العقل الإنساني في تطوير مسارات جديدة تسلكها البشرية من أجل التمكين لقضاياها العادلة؟!
·
تشويه الواقع من خلال رؤية متكلفة تحاول أن تجد لكل حدث معاصر شبيهاً له في الماضي منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة، فمحاربة بعض النظم للإسلاميين هي محاربة للدين كما حدث في مكة، والبدء بالسرية أمر لا مفر منه كما بدأ الرسول في دار الأرقم. والحل سيكون مساره عبر الصبر والتربية الخاصة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
·
اتهام كل تصور يخرج عن هذه السياقات بأنه مخالف للسنة النبوية، وبلغ أقصاه عند البعض أنه لو اتبع منهجاً ولم يمكن له في ثلاثة عشرة سنة فمنهجه الذي يتحدث عنه مغلوط.

كيف نتبع الهدي النبوي دون الدخول في فكرة ميكانيكية المنهج؟
وطبعاً نعني هنا “المنهج النبوي” في السياق المطروح وهو قضية “خطة التمكين”، فلا غبار على أهمية اقتفاء أثر الرسول في أخلاقه وعباداته. ونقول أنه ليس من الفصاحة السياسية أن نقول أن طريق التمكين واحد، لو اتبعناه لانتصرنا لأسباب عدة:
·
أن الخيار الذي اختاره الرسول سواء بوحي من الله أو بتقديره هو ليس إلا خياراً من خيارات عدة كانت تصلح في وقته، أي أن الخط الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو الخيار الأوحد، ونلحظ حتى في مسار الرسول صلى الله عليه وسلم حضور فكرة “البحث عن مخرج” عبر دعوة سادة قريش، وإرسال المسلمين إلى الحبشة، والبحث عن نصرة القبائل، فالرسول عملياً كان يجرب كل مسار محتمل، ولو لم يستجب الأنصار ربما كنا سنجد مسارات أخرى من الممكنات.
·
أن اختلاف الزمان والمكان يجعلنا ننظر إلى المسار التغييري الذي سلكه الرسول باعتباره تجربة تاريخية يستفاد منها دون أن تستنسخ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لو كان في عصرنا هذا لأبدع خططاً أخرى تناسب العصر ومتغيراته. فالبيئة والمناخ والظرف والعوائد ليست واحدة بحال، فلا الأوضاع المحلية هي أوضاع مكة والمدينة، ولا الأوضاع الإقليمية هي أوضاع الجزيرة ومحيطها ولا الفرس والروم والفارق معهم تقنياً ومعرفياً هو الفارق بين المعسكرات في يومنا.
·
أن مسار الفعل السياسي والاجتماعي ليست فيه حلول حتمية، ولكن فيه حلول محتملة، والبشرية تتطور في اكتشاف القوانين التي تصوغ الفعل الاجتماعي، واكتشافها لتلك القوانين يعني حسن إدارة الفعل الاجتماعي والسياسي، والقول بحتمية انتصار خطة الرسول في كل زمان ومكان أمر ينافي المنطق العقلي البسيط.

وجه المفارقة بيننا وبين الرسول:
كذلك هناك نقاط متعلقة بالرسول كنبي وهي:
· الرسول بدأ الاسلام من نقطة الصفر، ونحن في مرحلة أخرى هي استكمال المسيرة وتوصيل الدين للعالمين، وبين البدأ والاستكمال اليوم ألف وأربعمائة سنة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، فالدين قد اكتمل ولن تعود العجلة للصفر.
·
الرسول لو لم ينصره الله لما استكمل الدين وتمت كلمة الله فهو خاتم النبيين،  بينما نحن قد نفشل ويستمر الدين ويستخلف غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.(
·
الرسول معصوم من الله نصاً وهو لا يحتاج لحماية دنيوية (والله يعصمك من الناس) ونحن أبناء بيئاتنا.
·
الرسول مسدد مباشرة بالوحي ونحن متعبدون بالوحي ونظرنا فيه اجتهاد وليس يقيناً.

ما الذي نتبعه في “الهدي النبوي”؟
إننا في حاجة إلى اتباع السنة النبوية، لسببين أساسيين، السبب الأول هو التعبد إلى الله بالاقتداء بنبيه، والسبب الثاني أن تجربة التمكين للمسلمين الأوائل ليست حدثاً على هامش التاريخ، بل لقد غيرت مسار التاريخ، ومن ثم وجب إعمال العقل والتبصر فيها واستلهام الدروس والعبر منها.
وإذا أردنا أن نتبع الهدي النبوي فإننا نتبعه في :
·
أن نستحضر أولاً اننا لسنا في مرحلة إنشاء المجتمع المسلم، فهو قائم، ولكننا في مرحلة تنقيته من الدخن وترميم ما تهدم من بناء الإسلام والفارق كبير.
·
الروح العظيمة والهمة العالية التي كانت تحملها القيادة، واليقين في حتمية ظهور الدين وبلوغه غاياته السامية في رفعة الإنسانية.
·
منهجية التفكير الدءوبة التي لا تفتر في البحث عن مخرج، وتتحرك وفق معطيات المرحلة دون أن تحمل المشروع ما لا طاقة له به، وتستفيد من طبيعة البيئة وتحسن صياغة سياسات كل مرحلة، وتوظف الطاقات بفاعلية، وتقبل الأفكار المبدعة منفتحة على التجارب الأخرى والحلول الجديدة، وما قبول فكرة الخندق عنا ببعيد.
·
استلام زمام المبادرة وتحريك الأحداث.
·
حسن الصلة بالله  في جميع الأوقات والتوكل عليه بعد استنفاذ الأسباب، وإرجاع النصر إلى الله (مما يعني المراجعة بعد النصر لاجراء التحسينات) والهزيمة إلى الذات (مما يعني المراجعة لاجراء التحسينات).
·
الأخلاق الرفيعة في الحرب والسلم وتجنب الفجور في الخصومة.
وبالتالي نجد أن المسلم مختلف عن غيره في سنن الهداية والعقيدة والعبادة وما ترسمه من حدود للفعل وما تفرضه من سلوك، ولكنه مشترك مع البشرية في سنن التدبير والتدافع، وسنن التسخير والكشف العلمي الذي يعني القوة المادية وحماية المكتسبات وفق سنن التدبير.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: