ما قبل البعثة…الحلقة 5

تناولنا في الحلقة السابقة المشهد الجغرافي والمناخ السياسي الذي أحاط بمهد الوحي، وسنستكمل معاً الاقتراب من مسرح الأحداث من حيث طبيعة المجتمع البشري
التكوين السياسي
كانت الجزيرة العربية حين البعثة في مجملها أرض خام، بمعنى أن تعقيدات الحياة في المنظومات الحضارية الكبرى لم تصل إليها بعد. وبالتالي فلا يمكن الحديث عن أي تكوين سياسي كلي جامع في الجزيرة، والتكوينات السياسية السائدة هي القبائل المحاربة، باستثناء الأطراف، حيث توجد بعض الممالك الضعيفة مثل المناذرة والغساسنة، بالإضافة إلى تكوين ذي طبيعة خاصة مثلته مكة وقريش وسنعود إليه لاحقاً.

التكوين العرقي
أما من الناحية العرقية فيمكن تلخيص الصورة في وجود:
العرب البائدة: مثل عاد وثمود وطسم وجديس وجاسم، وهذه كانت بقايا منازلهم، وبعض حكاياتهم عالقة بالعقل العربي حينه، أما وجودهم الفيزيائي فلم يكن قائماً.
العرب العاربة: وهم القحطانيون أو أهل سبأ في اليمن، فقد عرفنا اسمين رئيسين منهم، وهما حمير وكهلان، والأخيرة هي التي انحدر منها الأزد ولخم وجذام وكندة وطئ.
العرب المستعربة: وهم نسل إسماعيل عليه السلام وهم العدنانيون الذين انحدر منهم رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم).

التكوين الديني
يمكن النظر إلى خارطة التكوينات الدينية في الجزيرة العربية كالتالي:
غالبية الجزيرة:
كانت الجزيرة على ديانة إبراهيم، حتى أتى لها عمر بن لحي الخزاعي بعبادة الأوثان والأصنام من الشام، وكان للأصنام وسدنتها مكانة كبيرة حينها، ومن ذلك دعاؤها، والحج إليها، والنذر لها. وكانت قريش تخص نفسها في الحج بمميزات بدعوى أنها أهل المقام، وأطلق القرشيون على أنفسهم الحُمْس تمييزاً لهم، فلا يفيضون مع الناس.
وأقليات دينية:
وسكن اليهود الجزيرة، وقد جاءوها من فلسطين، والمجوس من فارس، والصابئة عبدة الكواكب، والنصارى وقد جاءتهم النصرانية من مصدرين: الحبشة وتخوم الروم (وأشهرهم نصارى نجران)

التكوين الاقتصادي
يقوم اقتصاد الجزيرة على مجتمع رعوي محارب (اقتصاد الغزو)، وعلى شئ من التجارة تمارسها قوافل بعض الحواضر مثل مكة، وأسواق موسمية في الأشهر الحرم مثل سوق عكاظ وذي المجاز ومجنة، حيث تتوقف الأعمال القتالية، أما الصناعة فلم تكن تتجاوز أعمال الدباغة والحياكة.


الحالة الاجتماعية
ونقصد بها البنى والعلاقات والقيم الرابطة، فالبنى الأساسية هي الأسرة الممتدة أو القبيلة، والرابطة الأساسية تقوم على مترتبات رابطة الدم، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتواجد جملة قيم وسلوكيات من مثل الثأر، والتفاخر، والقوة وكل ما يعزز هذه القيم مثل الكرم طلباً للمدح، والعزة والإباء وهي من مظاهر القوة في مجتمع لا يحترم الضعفاء. وبالتالي فالتراتيبية والهرمية تتم بناء على رابطة الدم، ففي أسفل السلم العبيد، وفي قمة الهرم السادة، وبينهما بقية المجتمع.
أما المرأة فقد شهد وضعها ظاهرتين، الأولى أنها موضع فخر القبيلة والدافع لحميتها، وكلما سمت المنزلة القبلية اكتسبت النساء مكانة أعلي.
وفي الجانب الآخر كان هناك الزواج غير المقيد العدد بالنسبة للرجل، وكان هناك أن تورث المرأة كالمتاع، وكان هناك السبي، وزواج الرجل من أختين، وزواج الابن زوجة أبيه بعد موته، وكان حق الانفصال بيد الرجل، كما كان هناك الوأد للبنات، وقتل الأطفال خشية الفقر.

الذاكرة التاريخية للمنطقة
لا يمكن فهم كثير من مصطلحات السيرة والقرآن دون معرفة وجيزة بالذاكرة التاريخية التي خاطبها القرآن:
فسنجد مساكن العرب البائدة وقصصهم حاضرة (عاد وثمود وقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط …).
اليمن:
ومن اليمن تشبعت الذاكرة العربية بالهجرات القحطانية وقصص ممالكهم في اليمن فالدولة المعينية خلفت وراءها السد العظيم سد مأرب ودولة حمير الثانية التي حدث فيها السيل العرم 450م أو حولها.
وهجوم ذي نواس اليهودي على نصارى نجران لتهويدهم خلف قصة أصحاب الأخدود.
وانتقام النصارى بسبب ما حدث لهم وعونهم للأحباش على احتلال اليمن، سيخلف لنا قصة حاكمها النصراني الذي أراد هدم الكعبة وقصة صاحب الفيل (أبرهة بن الصباح الأشرم) والطير الأبابيل.
ثم حكم الفرس اليمن بعد أن طلبهم أهله لتحريرهم من الأحباش حتى 628م (وقد أسلم آخر ملوكهم في اليمن).
العراق:
والحيرة يحكمها الفرس من 557-529ق.م .
ثم يهزمهم الإسكندر الأكبر 326 ق.م فتتقسم البلاد إلى طوائف.
يستوطن العرب العدنانيون والقحطانيون الجزيرة الفراتية في العراق.
الفرس يستعيدون السيطرة 226م ويحكمون الحيرة والأنبار.
الفرس يصنعون الدولة اللخمية والكندية كدول عازل لدرء العرب عن حدودهم.
تخوض الدولة الفارسية معركة ذي قار مع بني شيبان (في فترة ما بعد ميلاد الرسول، بسبب مطالبة الفرس لبني شيبان أن يسلموهم أمانة النعمان التي استودعهم إياها قبل موته على يد كسرى) وفيها انتصر بنو شيبان على الفرس، واحتفظت بها الذاكرة العربية كأول انتصار على الفرس في التاريخ العربي.
ثم تولى المنذر بن النعمان الحيرة حتى أسقطه خالد بن الوليد في الفتح الإسلامي بعد ثمانية أشهر من حكمه.
الشام:
تؤسس الروم دولة الضجاعمة ثم دولة الغساسنة كدول عازلة والتي تستمر حتى الفتح الإسلامي بعد واقعة اليرموك 13هـ في عهد عمر بن الخطاب.

الجرد الاستراتيجي في المحيط:

  • ظرف دولي مناسب.
  • عرف دولي مناسب.
  • ضيق الفجوة التسلحية
  • محدودية التدخل الاقتصادي.

الجرد الاستراتيجي الداخلي في الجزيرة:

  1. وجود مكة عاصمة دينية (رمزية المشروعية الإبراهيمية(
  2. التجانس العرقي والثقافي.
  3. كانت بنية القيادة النبوية بحكم مركز قبيلته توفر له سقفاً معرفياً أعلى من المحيط.
  4. قابلية وجود خطاب حي من خلال (وفرة الدلالات الرمزية) (خطاب القضايا) (خطاب القيم) (ذاكرة تاريخية مشتركة)
  5. وفرة الخامة البشرية المتمرسة على القتال.

التحديات والأسئلة التي تواجه المشروع:
لأي مشروع مجموعة أسئلة تطرحها عملية الجرد الإستراتيجية للمعطيات والفرص والمخاطر، وفي المشروع الأول تبدو لنا الحاجة إلى:

  1. إيجاد الخطاب المناسب من خلال:
    • حل مشكلة المشروعية الدينية (تمثيل الديانة الإبراهيمية الحنيفية في مقابل المشروعية اليهودية).
    • حل مشكلة الروح الانهزامية اتجاه القوى الإمبراطورية، وإيجاد حالة من اليقين في النصر (إعادة اطلاق المكنة النفسية).
  2. إيجاد أرض تمثل منصة للانطلاق.
  3. التغلب على المقاومة الفكرية للمشروع والمقاومة المادية المتوقعة في البيئة وبناء النموذج الأولي.
  4. تنظيم المحيط القبلي في وحدة عمل على الرغم مما بينها من ثارات ومنازعات.
  5. العمل الاستباقي لحركة المحيط المحلي والإقليمي قبل أن تعاجل المشروع بفعل استباقي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: