مقدمة حول القراءة الفكرية والحضارية والاستراتيجية للسيرة…الحلقة4

تحدثنا على مدار الحلقات السابقة عن كيفية التعامل مع السيرة، من حيث تحري الصحيح منها في حالة الخروج بأحكام عقدية أو تشريعية تؤثر في الفعل الاستراتيجي، ثم تعرضنا أهمية الانتباه للاستنتاجات التي هي نتاج أفهام البشر، وسلطنا الضوء على بعض من الاستنتاجات التي شاعت في مرحلة الصحوة؛ نستكمل والآن عبر حلقات متصلة في المحور الثالث والمتعلق بالقراءة الفكرية الحضارية الاستراتيجية للسيرة.

وقد تشكلت هذه القراءة للسيرة في ظلال العلوم الإنسانية. كمحاولة لإثراء المداخل المتنوعة لدراسة السيرة، فلقد كتبت السيرة من مناظير مختلفة، منها المدخل القصصي، والمدخل العسكري، ومدخل العبر، والمدخل الحركي، والمدخل الفقهي… ولكن ماذا عن المدخل الفكري الحضاري الاستراتيجي؟

أما مانقصده بالمدخل الفكري فهو التجوال الفكري، في ثنايا السيرة العطرة للمصطفى، للتعرف على لبنات بزوغ فجر هذا الدين والتي لا تزال مسرحاً للتأمل، اليوم وغداً وحتى قيام الساعة، وهي محاولة للفهم والربط بين الجزئيات المختلفة للسيرة في سياق تجريدي لا يغوص في الجزئيات إلا بالقدر الذي يقدم الدلالة على الفكرة.

وأما مانقصده بالحضاري فهو المنظور القيمي الذي تطرحه السيرة في سياق العمران البشري، الذي يعمل على مستوى الدولة والمجتمع والفرد على حد سواء، ويحافظ على الكليات الخمس للإنسان كإنسان، الدين والعقل والنفس والنسل والمال.

وأما ما نقصده بالاستراتيجي فهو محاولة الاقتراب من منطق الفعل واتخاذ القرار في كل مرحلة من مراحل السيرة، لسبر أغوار تقدير الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وتقدير السياق الذي يتم فيه الحدث واعتبار الواقع المحلي والإقليمي والعالمي وتقويم البدائل المحتملة واعتبار المآل.

إن القيمة الحقيقية للسيرة، تكمن في درجة ما تضيفه للعقل من نور وبصيرة، وللوجدان من تعلق بالقيم السامية ومن تعلق بمن يمثل هذه القيم، ولكن شرط الاستفادة الأول هو وجود العقل المسلم المنهجي الذي يستقي من السيرة، خاصة وهو يحاول أن يعالج بأنوارها واقعه المتجدد، وحين نقول المتجدد نقصد في الزمان والمكان والظرف والعوائد، وبالتالي فكلما أمكن تجاوز عمليات التسطيح التي تحاول أن تتماهى مع السيرة بغض النظر عن المكان والزمان والظرف والعوائد، كلما أمكن مد أنوار السيرة إلى مساحات زمنية جديدة بدون الإخلال بشروط هذه المقاربات.
إننا في عصر كثرت فيه الأسئلة الصعبة على الإسلام كمشروع قادر على بعث الأمم من جديد،والسيرة أحد أهم وسائل المحافظة على الذاكرة التاريخية، وبناء الهوية، وتشكيل الوجدان الخاص بالأمة، إذا أُحسن تقديمها وعرضها باعتبار متغيرات العصر والمخاطبين.

ورغم إننا هنا نخاطب شريحة من الجمهور متقدمة بعض الشيء -باعتبار أن المدخل الفكري الحضاري والاستراتيجي يتسم بشئ من التجريد- إلا أننا نهيب بكل القادرين على توفير السيرة بشكل يناسب جميع المستويات العمرية والفكرية أن يشمروا عن ساعد الجدـ فالكتاب للطفل قبل تعلمه الكتابة مطلوب وهو مجال تخصص، وفي مرحلته الثلاث الأولى في المدرسة يمكن أن يأخذ شكلا آخر، ثم في المراحل الثلاث الثانية من المرحلة الابتدائية قد يأخذ شكلاً ثالثاً، وهكذا تنمو صورة السيرة في ذهن النشأ وتترعرع معه لتشكيل هويته ووجدانه، ويجب ألا يتخرج الطالب من الثانوية ولم يدرك المحتوى القيمي للسيرة قبل تذكر تواريخها وتتابعها، فإن اشد ما ابتلي به المسلمون اليوم هو غياب القيم التي انطلق منها هذا الدين، ومارس دوره من خلالها في الرحمة بالعالمين، وتحول الجزئيات إلى كليات وإغفال الكليات وإهدارها.
وسندرس بداية بعض القضايا التاسيسة:
مسرح الحدث الذي دارت عليه أحداث السيرة.
القراءة الجيوبوليتيكية ودلالاتها.
الذاكرة التاريخية للمنطقة.
البنية الاجتماعية الكبرى في الجزيرة.
البنية الاقتصادية.
البنية الدينية.
النسيج الديني في المنطقة والأقليات.
الجرد الاستراتيجي.
الحالة النفسية.
تكوين البيئة المكية.
مخزون شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة:
بانوراما المشهد
الخصائص العشرة في القائد النبي

وسنبدأ في هذه الحلقة باقتراب حذر من مسرح الأحداث.
الاقتراب الحذر من مسرح الحدث
إن دراسة الحاضنة الأولى للإسلام تعطي الدارس فرصة للتأمل في ما يمكن أن يستفاد منه في السيرة على المستوى التجريدي، وما يمكن الاستفادة منه رغم اختلاف الزمان والمكان، وما لا يمكن الاستفادة منه بسبب اختلاف الزمان والمكان.
هذه الدراسة تتطلب النظر إلى تلك الحاضنة وما وفرته من فرص، وما شكلته من تحديات، ثم دراسة المحيط الإقليمي والعالمي وما وفره من فرص و ما شكله من تحديات.

 استعراض المعطيات الكبرى للجزيرة:
القراءة الجغرافية (الجيوبوليتيكية
(

001

إذا نظرنا إلى المشهد الجغرافي قبل البعثة سنجد (عند التبسيط أو ببعض التجاوز):ـ
الجزيرة العربية مكونة من مستطيل أضلاعه كالتالي:
عن اليمين الخليج العربي.
عن الشِمال البحر الأحمر.
قاعدته ترتكز على بحر العرب.
تغلقه من أعلاه أرض مقسومة بالمناصفة بين الفرس – في يمين المشهد- والروم – في شمال المشهد.
أما قلب الجزيرة فهو الربع الخالي (صحراء مترامية ورمال متحركة).
وعلى حواف الجزيرة تبرز ثلاثة مشاهد:
الأول: دول تخوم أقامتها الإمبراطوريات (الساسانية الفارسية والبيزنطية الرومية) التي تغلق المستطيل من أعلاه. فالفرس أقاموا دولة المناذرة والروم أقاموا دولة الغساسنة، كدول عازلة، وقاية من مشاغبات القبائل البدوية المتحركة في الجزيرة.
الثاني: قبائل متناثرة لها مناطق نفوذ متغيرة قوة وضعفاً، وكل قبيلة في ذاتها هي قوة عسكرية جاهزة ومجهزة للأعمال الحربية بحكم طبيعة المكان.
الثالث: شبه إمارة دينية اسمها مكة، تعتبر القلب الديني للجزيرة تقع بمقربة من ضلع البحر الأحمر مبتعدة عن تخوم الإمبراطوريتين.

المحيط الإقليمي والعالمي:
المتمثل في الدولة الساسانية والدولة البيزنطية، وتتركز مصالحه في إبقاء القبائل العربية في محميتها الطبيعية وهي الجزيرة، ولا يعنيها كثيراً التطورات الداخلية فيها، وقد كفتها دول التخوم (المناذرة والغساسنة) مؤنة التركيز على تفصيلات الحدث الداخلي في الجزيرة. ولم تكن يومها الجزيرة بصحرائها تمثل شيئاً استراتيجياً يغري بالقتال من أجله.
ولم يكن الصراع بين القوتين الفارسية والرومية يدور على الجزيرة العربية، بل كان على أراضيهما الخاضعة لهما مباشرة، وجل ما هو مطلوب من الجزيرة العربية أن تظل في فضائها الخاص بفضل دول التخوم.

لم يكن يومها المنظور الجيوبوليتيكي المعاصر قد تبلور، وفكرة السيطرة الشاملة على البر والبحر والاتصالات والمواصلات وحركة الأموال وتدفق المعرفة والحصول على التكنولوجيا لم تكن قابلة للتنفيذ – لو وجدت، مما جعل القوى العالمية يومها محدودة الإمكانات مقارنة بعصرنا وعاجزة عن بسط سلطانها الفيزيائي على المحيط.
أما نمط التسلح فكان متقارباً بين جميع الأمم من حيث جنس أداة التسليح لا كمها، بمعنى أن حركة المواصلات كانت توفرها الدواب، وهي متوفرة عند الجميع، والقوة البشرية متوفرة عند الجميع (كثرت أو قلت)، وأنواع الأسلحة الحاسمة متوفرة عند الجميع (الرمح والسيف والسهم). ولم تكن المعارك تشمل أعماق المحيطات ولا آفاق السموات والكواكب

ولم يكن الفارق الحضاري يعني شيئاً كبيراً على مستوى الدول، فلم تكن الحضارة تعني حينها توفر التعليم الذي يصب في حركة البحوث وتطوير الاتصالات والمواصلات والاقتصاد وتكنولوجيا التسلح وبالتالي توفر الفارق الحاسم بين المجتمعات ، فكان بإمكان أقوام متخلفين هزيمة أمم متقدمة، فهاهم المغول، تتوفر لديهم قيادة صلبة، وقدرة على التجميع البشري، وحماسة توفرها رابطة الدم والانتصارات والمغانم، يهزمون أمماً متقدمة عليهم حضارياً بأشواط كبيرة.
ولم يكن العُرف الدولي يومها يعرف مفهوم الدولة القومية، وبالتالي فحدود الدولة يومها كانت حيث يمكن أن تقف قواتها.
ولم يكن الوعي القومي والعرقي والمذهبي (أي تعريف الهوية الذاتية ) للمكونات المختلفة للمجتمعات حاداً كما هو في عصرنا.
أما الوعي الحقوقي العام فكان منخفضاً، وبالتالي سقف المطالب الشعبية كانت محدودة.

مما سبق يمكن قراءة المشهد كالتالي في ضوء المحيط الجغرافي وقدراته الضاغطة:

إذا نظرنا إلى المشهد الجغرافي قبل البعثة سنجد (عند التبسيط أو ببعض التجاوز):مكونة من مستطيل أضلاعه كالتالي:عن اليمين الخليج العربي.عن الشِمال البحر الأحمر.قاعدته ترتكز على بحر العرب.تغلقه من أعلاه أرض مقسومة بالمناصفة بين الفرس – في يمين المشهد- والروم – في شمال المشهد.أما قلب الجزيرة فهو الربع الخالي (صحراء مترامية ورمال متحركة).وعلى حواف الجزيرة تبرز ثلاثة مشاهد: دول تخوم أقامتها الإمبراطوريات (الساسانية الفارسية والبيزنطية الرومية) التي تغلق المستطيل من أعلاه. فالفرس أقاموا دولة المناذرة والروم أقاموا دولة الغساسنة، كدول عازلة، وقاية من مشاغبات القبائل البدوية المتحركة في الجزيرة. قبائل متناثرة لها مناطق نفوذ متغيرة قوة وضعفاً، وكل قبيلة في ذاتها هي قوة عسكرية جاهزة ومجهزة للأعمال الحربية بحكم طبيعة المكان. شبه إمارة دينية اسمها مكة، تعتبر القلب الديني للجزيرة تقع بمقربة من ضلع البحر الأحمر مبتعدة عن تخوم الإمبراطوريتين.المتمثل في الدولة الساسانية والدولة البيزنطية، وتتركز مصالحه في إبقاء القبائل العربية في محميتها الطبيعية وهي الجزيرة، ولا يعنيها كثيراً التطورات الداخلية فيها، وقد كفتها دول التخوم (المناذرة والغساسنة) مؤنة التركيز على تفصيلات الحدث الداخلي في الجزيرة. ولم تكن يومها الجزيرة بصحرائها تمثل شيئاً استراتيجياً يغري بالقتال من أجله. ولم يكن الصراع بين القوتين الفارسية والرومية يدور على الجزيرة العربية، بل كان على أراضيهما الخاضعة لهما مباشرة، وجل ما هو مطلوب من الجزيرة العربية أن تظل في فضائها الخاص بفضل دول التخوم.لم يكن يومها المنظور الجيوبوليتيكي المعاصر قد تبلور، وفكرة السيطرة الشاملة على البر والبحر والاتصالات والمواصلات وحركة الأموال وتدفق المعرفة والحصول على التكنولوجيا لم تكن قابلة للتنفيذ – لو وجدت، مما جعل القوى العالمية يومها محدودة الإمكانات مقارنة بعصرنا وعاجزة عن بسط سلطانها الفيزيائي على المحيط.أما نمط التسلح فكان متقارباً بين جميع الأمم من حيث جنس أداة التسليح لا كمها، بمعنى أن حركة المواصلات كانت توفرها الدواب، وهي متوفرة عند الجميع، والقوة البشرية متوفرة عند الجميع (كثرت أو قلت)، وأنواع الأسلحة الحاسمة متوفرة عند الجميع (الرمح والسيف والسهم). ولم تكن المعارك تشمل أعماق المحيطات ولا آفاق السموات والكواكب.

ولم يكن الفارق الحضاري يعني شيئاً كبيراً على مستوى الدول، فلم تكن الحضارة تعني حينها توفر التعليم الذي يصب في حركة البحوث وتطوير الاتصالات والمواصلات والاقتصاد وتكنولوجيا التسلح وبالتالي توفر الفارق الحاسم بين المجتمعات ، فكان بإمكان أقوام متخلفين هزيمة أمم متقدمة، فهاهم المغول، تتوفر لديهم قيادة صلبة، وقدرة على التجميع البشري، وحماسة توفرها رابطة الدم والانتصارات والمغانم، يهزمون أمماً متقدمة عليهم حضارياً بأشواط كبيرة.ولم يكن العُرف الدولي يومها يعرف مفهوم الدولة القومية، وبالتالي فحدود الدولة يومها كانت حيث يمكن أن تقف قواتها.ولم يكن الوعي القومي والعرقي والمذهبي (أي تعريف الهوية الذاتية ) للمكونات المختلفة للمجتمعات حاداً كما هو في عصرنا.أما الوعي الحقوقي العام فكان منخفضاً، وبالتالي سقف المطالب الشعبية كانت محدودة.

أولاً: الظرف الدولي المناسب:

حيث تبدو هنا الفرصة التاريخية، فوأد الدعوة في مهدها من قبل القوى العظمى يبدو بعيداً، فإمكانية القوى المحيطة للتحرك المباشر لمواجهة الدعوة الجديدة يبدو صعباً للاعتبارات التالية:
الموقع الجغرافي للجزيرة، والذي ميزها، حيث أنها محاطة بالصحاري والرمال من كل جانب، حتى صارت محصنة تحصيناً طبيعياً، مما جعل سكان الجزيرة أحراراً منذ أقدم العصور كما ذكر المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم.
انشغال الإمبراطوريتين بصراعهما: باعتبار أن القضايا البينية بين القوى الإمبراطورية كانت أكثر حدة من البحث عن حل قضايا مناطق هامشية تظهر فيها دعوة جديدة، وبالتالي كانت قضية منطقة التخوم العربية موكلة لدول العازل.
ضعف إمكانات التحكم: فقدرات المواصلات والاتصالات والقوى العسكرية الصلبة غير متوفرة بالمعنى المعاصر للتحكم في البر والبحر والجو وتكلفة دخول المنطقة أكثر بكثير من العائد. وبالتالي فالقوى الناشئة في مأمن بدرجة معقولة.
حدة القضية: فقضية ظهور دين جديد قد لا تبدو هي الشغل الشاغل لإمبراطوريتين عظيمتين، فهو بدى كأمر داخلي محدود.


ثانياً: ضيق الفجوة التسلحية:

فقد كان الاكتفاء التسليحي ممكناً للقوى الناشئة بسبب عدم تطور قضايا التسلح بشكل حاسم في تلك الفترة الزمنية، وبالتالي فتعقيد عملية التسلح المعاصرة من حيث أهمية وجود التطور المعرفي والبحوث والمصانع والقاعدة البشرية المعرفية وفر ظروف تسمح بالقول بأن الفجوة التسلحية ضيقة لأبعد مدى.

ثالثاً: محدودية التدخل الاقتصادي:

فالاكتفاء الاقتصادي متوفر، وإمكانية فرض حصار خانق اقتصادي على المنطقة غير ممكن. فالبيئة توفر متطلباتها، والاقتصاد التبادلي السلعي هو السائد، والعيش على الكفاف هو الأصل.

رابعاً: العرف الدولي  المناسب:

الذي يقوم على نظرية الأمم الفاتحة والإمبراطوريات، وبالتالي فحدود الدولة حيث يقف آخر جندي لها مما مهد للفتح الإسلامي، حيث لم يكن مستهجناً في تلك الفترة أن تسعى قوة غالبة إلى تكوين إمبراطورية مترامية الأطراف..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: