حوار الأستاذ حسن بن حسن مع د.جاسم سلطان

أجرى الحوار: حسن بن حسن
***************

تقديم
لأول مرة أتوجه شرقا نحو قطر إجابة لاستضافة كريمة من صهري. كنت طوال الطريق في الطائرة أنظر من النافذة وأتابع مسار الرحلة على الشاشة، تتملكني الرغبة في البكاء مرات ونحن نقطع الوطن العربي الشاسع بسهوله ووديانه وأنهاره، بجباله وتلاله وصحاريه وبحاره، بكبرى حواضره ومراكزه الروحية المشعة، الوطن الذي رفعه الله سبحانه وأغنا،ه وخفضه أولاده وأفقروه
نزلت الدوحة متشوقا لرؤية المدينة العظمى الحاضنة لقناة الجزيرة وملحقاتها، المدينة التي ثوّرت زمننا الإعلامي والسياسي وأحدثت رجة وهبة في العقل والوجدان العربيين لا يعلم إلا الله مداها ومآلاتها
ما إن خرجت من المطار ليلا حتى لفحني القيظ كأنه شواظ من نار أو فيح من جهنم، حرارة لا تطاق أكاد أحس معها بالاختناق. شعرت بانقباض زاده تجوالي اليوم الذي يليه في أرجاء الدوحة: مدينة بلا طبيعة، لا تكاد ترى فيها عودا أخضر ولا مكان فيها للفسحة غير مركبات استهلاكية ضخمة
ظل هذا الشعور يلازمني حتى زرت – رفقة صهري – المفكر المتحرر والمستنير الدكتور جاسم سلطان. رجل في مقتبل العمر، بشوش، صادق العاطفة، جم التواضع، تجلس إليه فتحس أن بينك وبينه أثيرا روحيا وأنك تعرفه من زمان. كان لقاؤه بالنسبة لي مفاجـأة عظمى، أفكار سياسية كثيرة غائمة في نفسي كنت أناقشها مع أحد أصدقائي بالرباط دون أن يرتفع عنها التشويش، ولا أن تنحت لنفسها لغة مبينة. وجدتها صافية واضحة ناطقة على درجة عالية من الإعداد والتهييء لدى هذا الرجل المتمكن من موضوع تفكيره والذي يعرف ماذا يريد وإلى أين يذهب.
دهشت وطربت لحديثه لكأنني عثرت على قطعة مفقودة من ذاتي. لقد قضيت عمري كله أفكر، لذلك فأنا أدرك جيدا الأوعار التي اقتحمها هذا الرجل والمسافات المضنية التي قطعها حتى وصل إلى هذه الرحابة الكيانية والانعتاق الفكري، وإلى هذا الصفاء في الرؤية
طال لقاؤنا وتبدد ما بنفسي من ضيق وخرجت من عنده وأنا أنظر إلى الدوحة بعين أخرى. لقد غطت روحه الوثابة الحية الخضرة اليانعة المشهد كله. رجل لا تشقى بمثله الأمم، وإن مدينة فيها مثل هذا لمورقة مزهرة. وهل حياة المدن إلا بأهلها، وهل موتها إلا بانسحاب الروح منها وتحولها إلى جدر صلدة واجمة لا نبض فيها؟
أفقت بهذه الزيارة من وقع الصدمة الأولى واستعدت إحساسي الغني بالدوحة كحاضرة حية مشعة منها يتحرك الزمن العربي كله. مدينة تشهد نهضة عمرانية وبشرية واعدة بكل خير. كان لقاؤنا عفويا، تحدثنا فيه عن حال الأمة والانسدادات المزمنة التي تواجهها، وعن واقع الصحوة الإسلامية وأدوائه وأسقامه وممكناته واحتمالاته.. وفي كل ذلك كان نفاذ عقله ودقة حسه الاستراتيجي ورحابة أفقه مبهرا
تحدثنا عن التنظيمات الإسلامية وسر عطالتها التاريخية وقال إن الداء رافقها منذ لحظة تأسيس حركة الإخوان المسلمين. فلقد أنشأ الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تنظيما يحمل فكرة الخلافة، أي يختزن الحل الكامل دفعة واحدة، لا تنظيما وظيفيا يخدم حل إشكالية محددة في مرحلة معينة بناء على وعي عميق بمنطق حركة التاريخ وتحولاته. وقال الدكتور جاسم إن هنالك فارقا شاسعا بين التنظيم والفكرة المنظمة، وبين تنظيم الأمة وتنظيم الأفراد في سلك تنظيمي. وقال إن التنظيم ينبغي أن يكون وظيفيا، أي موجها نحو تحرير وإطلاق طاقات المجتمع الهائلة، ونحو دعم وتشجيع أي شخص يندب نفسه لمهمة جادة دون تكبيله بقيوده، وأن الخلل هو في استبدال الأمة بالتنظيم وفي إحلال هذا الأخير مكان المجتمع مما يؤدي إلى إفراغه – أي المجتمع – شيئا فشيئا من عناصره الصالحة وتوهين مفاصله الحيوية
وتحدثنا عن التجربة التركية فقال إن ما يحصل اليوم تطور هام للفكرة التي حركت إسلاميي تركيا منذ عقود طويلة، أي فكرة الممكن النموذج. وقال إن الأتراك قاموا منذ أمد بعيد بالتحويل من فكرة النموذج الممكن إلى فكرة الممكن النموذج، وأنهم لم يفكروا من اليوم الأول مع أربكان بأنهم حركة شمولية، وإنما كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أن لهم دورا وظيفيا سياسيا لإحداث تحول موضعي موزون يتحمله المشهد السياسي التركي، وأنهم – عبر محطات عديدة – ما فتئوا يجربون الطاولة السياسية وتحملاتها، لذلك لم يجدوا غضاضة في أن يكون معهم الآخرون من صوفيين ونوريين وغيرهم، ولا في البحث عن التحالفات السياسية الممكنة. وقال إن الأتراك لم يتكلسوا حول الأسماء والبرامج وأن آخر تجليات فكرة الممكن النموذج لديهم هي تجاوز الأشخاص والقفز على التاريخ والإسم التاريخي (أربكان). وبخصوص الصحوة الإسلامية قال الدكتور جاسم إنها مرحلة من مراحل انبعاث الأمة لدور جديد، وأنها قد وصلت حدها أو تكاد وأنها ينبغي أن تخلي المكان لمرحلة جديدة: مرحلة اليقظة التي تعقبها النهضة فالحضارة. وقال إن مرحلة الصحوة التي نعيش نهاياتها هي مرحلة انقشاع سحب التبلد الذهني من سماء الأمة غير أنها مرحلة الاندفاع إلى الفعل دون عمق معرفة وتفكير، أو لنقل إنها تيار عاطفي ضخم يتعجل قطف الثمار ولا يحسن اغتنام الفرص لذلك تجلّ وتكثر تضحياته وتقل وتصغر نتائجه وثمراته

من وحي هذا اللقاء الغني كان الحوار التالي مع الدكتور جاسم سلطان:ـ

– فضيلة الدكتور، لكم قراءتكم لمراحل تخلق الفكرة الإسلامية وتدرجها من مرحلة الصحوة إلى مرحلة الحضارة، وترون أن مرحلة الصحوة أو مرحلة أولي الأيدي قد شارفت على نهايتها وأننا على أبواب مرحلة اليقظة أو مرحلة أولي الأيدي والأبصار. ما هي ملامح وقسمات هذا الانتقال؟ وهل ترون مؤشراته وعلاماته أم هو مجرد حلم؟ وإلى أي صورة ستصير الصحوة الإسلامية في مرحلة اليقظة؟

هو ليس انتقال ميكانيكي، ولكنه انتقال مشروط، بالوعي بالنقلة المطلوبة، وبمتطلباتها العملية من الفكر والبشر والمشاريع المكافئة. والمشهد اليوم فيه خيوط من نور تتسلل عبر الظلام، نشهدها في مبادرات شابة تتجاوز الأطر المعتادة في كل مكان وحصرها ليس هذا مقامه. ويلعب العصر وأدواته في بعث الأمل دورا كبيرا فهو عصر تدفقت فيه المعلومات فلم يعد سهل حصارها ولم يعد الفرد أسير مقولة واحدة ورأي واحد، وسهل عليه التواصل مع نظرائة وأقرانه عبر الحدود مختزلا الزمان والمكان. ويكفي أن تنظر للبث الفضائي وما يغيره من وقائع وللإنترنت وما يحدثه من ثورة… فنحن أمام تشكلات جديدة لها دورتها وأبطالها ورواتها

– تبرزون في كتاباتكم التعارض بين المسار الموضوعي لنضج الفكرة الإسلامية ومرورها بالمراحل الضرورية الأربع لبناء الحضارة (الصحوة، اليقظة، النهضة، الحضارة)، وبين توهم التنظيمات اختزان الحل الكامل دفعة واحدة. ما الذي جلبه هذا التعارض بين الوعي الذاتي للحركات الإسلامية وبين المنطق الموضوعي للتاريخ على الأمة، وكيف ترون الخروج منه؟

التصور الإسلامي الذي تعلمناه، يختزل أغلب ما يراه ويبسطه تبسيطا مخلا. وبعض الفكر التنظيمي حين يرى أن الاسلام يحتوي على المبادئ والقيم الأساسية لمعالجة مشاكل الحياة يعتقد أن هذه المبادئ والقيم هي عين الإجراءات والنظم، والفارق كبير بينهما. فالعلم قيمة ولكن تنظيم المجتمع على أساسه شيء آخر، وهو مرهون بالاجتهاد الإنساني، قد نصل إليه وقد لا نصل. وقل ذلك عن العدل والشورى وقبول الرأي الآخر والتعددية… ثم أضف إلى ذلك الفجوة بين ما هو مطلوب وبين ما هو قائم أو الفرق بين الدين من حيث هو كمالات وبين التدين الذي هو فعل الإنسان للتحقق بالكمالات ومقاربة ذلك في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهي باستعلائها على مقاربة الواقع بما هو عليه حرمت نفسها من البداية الصحيحة ووضعت دفتر تحملات لا تستطيع أن تقوم بمتطلباته حين الامتحان، لأنها بطرحها أن الحل موجود حرمت المجتمع من الطاقات التي تعمل عقلها في هذا الواقع من حيث هو لتبحث له عن إجابات. والنموذج السوداني خير شاهد على الفارق بين النظرية المستعلية والواقع المتحقق

والحل يبدأ بالاعتراف بالخطأ وإعادة المقاربة للمشهد بالاعتراف بالقصور وشحذ الهمم لحله وتجاوز مقولات سيد قطب رحمه الله التي تقول أن لا مقاربة للواقع إلا بعد التمكين بجيل فريد. وذلك أقرب للخيال منه للواقع العملي. والعمل على مسارين، مسار الفكر الذي يحدد الواقع ويبحث له عن حلول من حيث تسمح به إمكانياته وبين العمل المسترشد بهذا الفكر والملتحم معه

– تقولون إن الفاعل السياسي ينبغي أن لا يعزو إخفاقه إلى تعقيد الوضع الذي يواجهه، وأسألكم: كيف نواجه الانسدادات التاريخية والسياسية المزمنة في حياة الأمة في ضوء هذه الفكرة؟

الفاعل السياسي يرى العالم متعدد الألوان والظلال وهو يستفيد من ذلك في تقدير موقفه وتقرير تحركاته وهو لا يقع أسيرا للثنائيات الإطلاقية إما هذا وإما ذاك، بل يرى المشهد من زوايا متعددة ومقاربات محتملة لا حصر لها وبالتالي لا تنغلق أمامه الصورة. ونحن اليوم أمام مشهد تصطدم فيه تيارات الإسلام السياسي بالأنظمة بشكل أوقف التطور الطبيعي للمجتمعات، والشواهد على ذلك لا تحصى. والجدار السميك الذي يفصل المعسكرين يعلو يوما بعد يوم. وبالتالي نطرح السؤال العلمي الذي لا يقف عند توصيف المشهد بل يطور المشهد للبحث عن الجذور العميقة لوجوده ومن ثم مقومات استمراريته ليخلص للبدائل المحتملة لتجاوزه بمعالجة الأسباب المنشئة له والعوامل التي تغذيه، وبدائل التعاطي مع ضغوط الواقع المحصورة علميا، و التي تتجاوز الإثنى عشر بديلا. وعند الدمج و التركيب بينها يتكون ما لاحصر له من الإجابات. ولكن نقطة البداية دائما الاعتراف بوجود مشكلة ذاتيه قبل الإحالة على الخارج. وهو شرط غير متوفر إلى الآن

– تبدو فكرة الانتقال من التنظيم إلى الفكرة المنظمة ملائمة تماما لواقعكم، ولكن هل أنتم مع حل التنظيمات الإسلامية في البلدان الأخرى أم مع تغيير شكلها وطبيعتها، ولماذا؟

ليس السؤال الابتدائي إما الحل أو الاستمرار، بل نقطة البدء في الاستعداد النفسي والعقلي للمراجعة والمصارحة ومن ثم تحديد آليات الفعل ومسالك المقاربة الأمثل. فلو قلنا بالحل لكان السؤال: وماذا بعد. ولو قلنا بالبقاء لكان السؤال هل تبقى هذه التنظيمات على ما هي عليه، أم تغير من مقاربتها للواقع بشكل تكتيكي، أم تنتقل لتغيير على المستوى الاستراتيجي. وحين نصل لتغيير على المستوى الاستراتيجي ما الذي يلزم من تحولات على مستوى التكوين العقلي وشكل المنظمة وحجمها ووظائفها… وبالتالي فكل ذلك مرهون بالسؤال المحوري: هل المنظمة وسيلة أم غاية في حد ذاتها. وهل هي ما زالت ضرورية لتحقيق الغايات أم يمكن مقاربة الغايات بطريقة أخرى. إن أكبر العقبات هي جمود الفكر ووقوفه عند أول خاطر أو أول شحنة عاطفية، فتنسد منافذ التفكير وتتعطل ملكة التحليل والبحث

– تقولون إن الحركات الإسلامية لا تدرك نهايات المراحل السياسية، لو تفصلون لنا هذه الفكرة الخطيرة مع ضرب أمثلة حية لذلك. نريد أن نفهم أيضا علة هذا السكون وهذه العطالة؟

إن الهزائم الكبيرة في الأمم الحية تجلب معها تغيرات كبيرة على مستوى القيادات والمقاربات والأشكال والخطاب… فهل يحدث ذلك مع الحالة الإسلامية أم تعيد إنتاج نفسها؟ خذ مثلا مصر وسوريا وتونس وأفغانستان، بل والعراق أيضا كنماذج هل ترى أي تغيرات أو تحولات؟ فسنة 1952 كانت تحولا جذريا في مصر والثمانينات تحولا جذريا في بقية النماذج فهل ترى انعكاسا لهذه التحولات على الأوضاع والأفكار والأشكال والممارسات؟ فلسان الحال يقول ليس بالإمكان أحسن مما كان واسكن تسلم… فهل العالم والأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية هي هي، وهل يمكن ان يجر الجمود تقدما؟ في هذه اللحظة يبدو المشهد للمراقب كأن عجلة الزمن وقفت بالكثير ممن نشاهد حتى لا نعمم،عند زمن استنفذ أغراضه وتجاوزته حركة التاريخ. ذلك هو المؤلم في حركة نخب الأمة اليوم
والأسباب الموضوعية لهذا المشهد اعتقاد خلود إجابات مرحلة معينة باعتبارها عين إجابات الاسلام لا اجتهادا مرحليا وفهما زمنيا لنص كتبت له الديمومة والخلود بسبب استيعابه للزمان والمكان وهو لا ينسحب على خطط الإنسان وتصوراته التي هي أسيرة الزمان والمكان والأشخاص والظروف والعوائد وتغيرها. تعدد الاجتهادات أحد أهم تجليات خلود النص وفعاليته، وثباتها هو عين تجميد النص وأسره في زمان ومكان وأشخاص مهما سموا وتعالوا علما ومكانة

– ما هي العلاقة المنتجة والمثمرة بين التنظيم والمجتمع حسب رأيكم؟

لا يمكن أن تقوم علاقة سليمة بين أي تنظيم صاحب فكرة إسلامية وبين محيطه الإسلامي إلا باستعادة عملية لسمو الأمة على التنظيم وأسبقيتها عليه واعتباره خادما لها وليس بديلا عنها وعدم إسقاط النصوص التي تتحدث عن الأمة على أي تنظيم باعتباره التمثل الحقيقي للأمة. والانطلاق أساسا من قول الله عز اجل إن هذه أمتكم أمة واحدة. والأمة هنا هي المليار وثلاثمائة مليون. والانطلاق في تفعيل قول الله عز وجل وتعاونوا على البر والتقوى، وتعاونوا هنا ليست لأفراد تنظيم معين بل للأمة كلها. واعتبار أفراد الأمة أهلا للتعاون ما لم يظهر منهم خلاف ذلك وليس العكس. والابتعاد عن فكرة التنظيمات الشمولية في الممارسة والتي تريد انجاز كل شئ وتتماهى مع الدولة الجامعة وتستبطن فكرة النواة التي تنتظر الشتاء لتتحول إلى نخلة، فهذا النموذج لا محالة مصطدم بمحيطه فهو لا يعيش في فراغ يمكن أن يتمدد فيه بشئ من الحيلة. وهنا أشير إلى قضيتين منفصلتين أولهما فكرة أن الإسلام شامل، وفكرة أن المنظمة شاملة، وهي من لزوم ما لا يلزم

– تقولون إن الفاعل السياسي الناجح هو الذي يرى الواقع كما هو لا كما يحب أن يراه. ما هي شروط هه النقلة المعرفية الحاسمة؟ وهل هي ممكنة؟ وماذا يحصل حين يلون الفاعل السياسي الواقع بلون أمانيه؟

خداع الذات هو أشد أنواع الخداع. وتخيل معي لو أن خالدا في معركة مؤته قرر أن يستبدل الخطاب الموضوعي عن الممكن والمستحيل في ساحة المعركة بالخطاب المعنوي المتعلق بالصبر ووجوب الإقدام وتعليق النصر بالمشيئة الإلهية وإهمال مسؤولية الانسان عن القرار، هل كان سينسحب من أرض المعركة. إنها القراءة الموضوعية التي تفرق بين خطاب شحذ الهمم ودوره، وبين جهاز التخطيط ومكانته ودوره، وتستخدم كلا منهما في موضعه وزمانه ومكانه. والدول الكبرى التي تستبدل قيادتها مقررات الايديولوجيا باعتبارها بديلا عن القراءة الموضوعية لسلم الممكنات تقود مجتمعاتها للتهلكة وما مثال إدارة بوش عنا ببعيد. والفارق اأن الأمم الكبيرة قادرة على استيعاب مثل هذه المغامرات وتجاوزها، ولكن من دونها قد لا يجد فرصة أخرى. وانظر نموذج صدام في العراق، فقرار خاطئ مبني على قراءة خاطئة يتلوه آخر حتى الوصول لنهاية المطاف والحائط المسدود. إن الأماني التي لا تحملها إمكانات قد ترفع صاحبها للسماء في لحظة ولكنه عندما يسقط لا يجد قعرا للهاوية

– تعيش جل الحركات الإسلامية تفقيرا فكريا مخلا ومخيفا وتشتغل بآليات طاردة لأصحاب الرأي الحر وللكفاءات الفكرية، هل توافقون هذا الرأي؟ وكيف ترون المخرج منه؟

إن عدم التعايش مع الفكر وتشكيل وسط طارد له، ناهيك عن احتضانه، أمر لا يحتاج لشواهد ولذلك سأتجاوزه لندخل لعالم الأسباب المنشئة له وأولها فيما أعتقد أن الطموحات العملية طموحات تدور حول قضية بسيطة تهتم بكسب الأنصار للداخل التنظيمي وهي قلما تحتاج لفكر معمق وبالتالي فالفكر والتبصر هو جزء من المكلمة العامة وليس قضية تحتاج للالتفات. وحتى المشاركة السياسية في حالة انفتاحها لا تحتاج إلا لرفع شعار الإسلام هو الحل فتتقاطر الجموع لنصرة الدين فما الحاجة للفكر! وثانيا: معالجة أي قضية تبدأ بالتشخيص في الاختلالات الفكرية والتنظيمية والممارساتية وهي كلها مساحات ينظر لها أنها تعطي الآخر ذريعة لانتقاص الحالة وتضعف ثقة الداخل بالتنظيم والقيادة. ومن هذا المزدوج تصبح عمليات الفكر مدانة وتتعرض للتحقير والتجاهل في أغلب الأحوال، حتى لا نعمم.

ومؤشر الخروج منها يحدث حين تبدأ هذه التجمعات بطلب النقد والتقويم الخارجي مهما كان مرا، وبنشر ثقافة التعايش مع النقد وبتبني نظرية تقوم على البحث عن الأفضل والأصوب باستمرار بدل تقديس الجمود. فكل النظم الفاشية سقطت رغم أنها تبنت سياسة لا للنقد وتطورت النظم الديموقراطية رغم ترحيبها بالنقد وفي ذلك عبرة وأي عبرة لأولي الألباب

– نريد منكم أن تحثونا بشيء من التفصيل عن رأيكم في خصوصية وجدة وآفاق التجربة التركية

التجربة التركية تعطي دروسا عملية في التحرك من خلال الممكنات، وترك المستقبل الكلي لظروفه التي تشكله ولو عددنا أهم الدروس المستفادة من النموذج التركي لأمكننا القول أولا: لم يطرح التيار الإسلامي التركي نفسه كمنظمة شمولية بل طرح نفسه كحزب سياسي وترك للمجتمع أن يمارس الأدوار المكملة. ثانيا، أطلقت الحالة التركية مشروعها آخذة في الاعتبار الواقع الذي تشكل خلال عقود وانطلقت منه وعدلت بوصلتها بالقدر الذي تحتمله الظروف المحلية والإقليمية والدولية ولم تتجاهلها. ثالثا، لم تقدس الحالة التركية لا البرنامج ولا الأشخاص ولا الأشكال ولا الأسماء بل قدست الهدف وتحركت له ضمن إطار الممكنات. رابعا، قدمت نفسها من خلال احتياجات الجمهور لا من خلال متطلبات الايديولوجيا وبالتالي تواصلت مع كل قطاعات المجتمع وليس مع شريحة منه. خامسا، تواصلت مع العالم الخارجي على أعلى المستويات ولم تعزل نفسها عنه تحت أي ظرف من الظروف واعتبرت التواصل معه جزء أساسيا من الواقعية السياسية الضرورية للعبور لعالم الممكنات بدل السباحة في عالم المعجزات. سادسا، كانت دائما مستعدة بحزمة من البدائل لا تنضب ولم تتفاجأ بضراوة الإقصاء في أي مرحلة. سابعا، لم تقدم وعدا بما لا تستطيع ان تنجز. ثامنا، اعتبرت المجتمع التركي كله تنظيمها ولم تتحرز بدعوى الانتقائية وبالتالي لقيت الدعم من كل المؤمنين بالمشروع الوطني وليس بالضرورة بالمرتكز الإسلامي له. تاسعا، اعتبرت أن رأس الرمح في مشروعها هو وصولها لاحتياجات الجمهور الأساسية وبقية الأنشطة تكميلية ومساندة فلم تختل عندها الأولويات. عاشرا، استغلت الفرص التي أتيحت لها في تقديم إنجازات ملموسة لصالح الإنسان التركي والكرامة الوطنية فعاشت في ذاكرة الغالبية وليس في ذاكرة البعض. هذه هي العشرة دروس التي تقدمها التجربة التركية من وجهة نظري كمراقب عن بعد تميزها عن التجربة العربية. ورغم اختلاف البيئتين العربية والتركية إلا أن روح التجربة يظل قويا حتى مع اعتبارات الفوارق

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: