حوار د.جاسم سلطان..على إسلام أون لاين حول السيرة

اجرى الحوار: عصام تليمة
**************

أثارت سلسلة مقالات الدكتور” جاسم سلطان” -المفكر الإسلامي والأكاديمي القطري- حول السيرة النبوية، ونقده لأطروحات المنهج الحركي للإسلاميين في قراءة السيرة، أثارت جدلا واسعا حملت العديد من القراء على طرح تساؤلاتهم من خلال موقع “إسلام أون لاين.نت” في انتظار ردوده
خاصة أن الرجل تعرض للكثير من المسلّمات في قراءة السيرة، وذهب إلى أن الاستنتاجات التي قام بها شرّاح السيرة النبوية، أدت إلى البعد عن جوهر وروح السيرة الصحيح، حين غلبت الأيدلوجيا الحركية، فصارت السيرة تُقرأ في ضوء الأيدلوجيات، ولم تعد السيرة في بعض الأحيان مصدر إلهام للأيدلوجيات
وكان جاسم سلطان يهدف إلى إعادة قراءة السيرة النبوية، ولكن من زاوية فكرية إستراتيجية حضارية، حسب ما يرى
ونظرا لأن السيرة النبوية تمثل مرجعية فكرية أساسية ليس للحركات الإسلامية وحدها، بل لجميع آحاد الأمة من المشرق إلى المغرب، ورغبة في إتمام النقاش الذي بدأه “إسلام أون لاين.نت” حول القضية من خلال عرضه للمقالات المعنونة بـ: “مدخل إلى دراسة السيرة”، و”ضوابط التعامل مع السيرة”، و”استنتاجات شائعة من السيرة”، حملنا أسئلة القرّاء واستفساراتهم إلى الدكتور “جاسم سلطان” نستشرف من ردوده ما يلقي الضوء على العديد من القضايا التى آثارها الجمهور
والدكتور جاسم واحد من أبرز رموز “الحالة الإسلامية” في قطر، وهو متخصص في تدريس فن الإستراتيجية ونماذج التخطيط الإستراتيجي للمستويات العليا من الإدارة، ومن مصر -منشأ الحركات الإسلامية بشتى ألوانها- حصل على بكالوريوس الطب، ثم حصل بعدها على الزمالة البريطانية الأولى في لندن، ومن مؤلفاته: “إستراتيجية الإدراك للحراك.. من الصحوة إلى اليقظة”، و”نحو وعي إستراتيجي بالتاريخ.. الذاكرة التاريخية”، و”الفكر الإستراتيجي في فهم التاريخ.. فلسفة التاريخ” ، و”القواعد الإستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري.. قوانين النهضة”ـ

بين الضعيف والصحيح في السيرة النبوية

ـ ذكرت في مقدمة سلسلتك عن السيرة النبوية، أنه ينبغي أن نتخلص من كل حديث ضعيف فيها، لكن لو طبقنا قواعد المحدثين على السيرة النبوية، فلن يسلم لنا من سيرة ابن هشام وابن إسحاق سوى ربعها فقط، من جنس الصحيح، هل لازلت ترى ذلك؟ أم أنك تصر على هذا التطبيق في قضايا محددة من السيرة النبوية، فقط؟

لا بأس من أخذ ضعيف السيرة من أجل بناء الصورة القصصية، أما عند الاستدلال فالأمر يحتاج إلى تريُّث، سواء كان هذا الاستدلال في قضايا العقيدة، أو التشريع، أو التصورات الإستراتيجية

ـ ما نماذج “التصورات الإستراتيجية” التي تعنيها هنا؟

مثل القضايا المتعلقة بالحرب والسلم، وقضايا إدارة الصراع، وقضايا اختيار البدائل، عندها يجب التأكد تماما أن ما نستدل به يمكن أن تقوم به حجة نظرية وعملية، أما ما عدا ذلك فيما يتعلق بالقصص المرتبطة بالمواعظ، والدعوة لمكارم الأخلاق، أو ردم فجوات في السياق القصصي للسيرة، فيمكن الاعتماد على الرواية التاريخية بدون حرج، طالما أنها لا تتعارض مع مقاصد الشريعة الكلية، وتتفق مع ما نفهمه من الإسلام جملة، ومن ثم نقول: “إنه ليس هناك دعوة لإلغاء التراث، ولكن يجب أن نحتاط عند بناء مواقف الحياة عليه، إلا إذا قال شخص: إنني سأبني مواقفي على أي شيء.. ولا يقول بمثل ذلك عاقل”ـ

ـ لكن العقدي والفقهي يستوعبه الناس جيدا، والخلاف فيهما محدود، أما الإستراتيجي فسيختلف عليه الناس.. فما تراه أنت إستراتيجيا قد لا يراه غيرك إستراتيجيا

حتى الفقهي سيختلف عليه الناس، لكن المستند الذي يستندون إليه يجب أن يمتلك القوة، فمثلا بالنسبة لأحاديث السيرة النبوية، إذا قلت لا يهمني إن كان الحديث ضعيفا، أم موضوعا، أو ليس له سند، طالما رواه ابن هشام، ستصطدم بقضايا خطيرة جدا.. فالفرق الإسلامية التي بنت أطروحاتها التاريخية ومذاهبها ستجدها تستند على هذه الروايات، ثم تأتي لتناقشها ثانية في السند، لذلك نقول: “إن أي شيء يترتب عليه أمر خطير من مآلات الأمة فلا بد من التثبت من صحته، حتى لا يصير بابا مفتوحا لكل من شاء أن يقول ما يريد”ـ

أنا أقرأ في السيرة أجد أشياء لا يصدقها عقلي، وبعضها يسيء لمقام وبيت النبوة وللصحابة الكرام، ولو أراد شخص أن يحتج بمثل هذه الأقوال فسأضطر لأن أسأله: “هل هذه الرواية صحيحة أم لا؟”، ولو جاء شخص وقال لي: “سنؤسس مؤسسة، وسنخوض حروبا ونقاتل، واستنادي هو الحادثة الفولانية”، سأدعوه للتأكد من صحة الخبر سندا ومتنا، للتأكد من استقامة الخبر، وبالتالي أعتقد أنه حدثت أشياء مؤثرة في حياة المسلمين ناتجة عن استدعاءات تحتاج إلى مراجعات، وهذا فقط ما أقوله: “أي شيء مهم نحتاج التأكد من سنده”ـ

أما ما يتعلق بالقصة، فلا يعنيني -مثلا- قصة الحمامة والعنكبوت، بينما يعنيني التأكد من حادثة مثل الحديث عن غدر المسلمين بأقوام بعينهم.. فهذه أحتاج للتثبت منها، ومن ملابساتها، حتى أصل لحل في القضايا الشائكة المطروحة على المسلمين

ـ في القرون السابقة لم تحظ السيرة النبوية بالاهتمام الذي كان ينبغي، حول موضوع التأكد من السند والمتن، بعكس اهتمام العلماء بالسنة النبوية سندا ومتنا، فما السبب في ذلك من وجهة نظرك؟

علماء الأمة السابقون كانوا كلما واجهتهم مشكلة عويصة يدققون في السنة سندا ومتنا.. انظر ما كتبه ابن تيمية في خلافه مع الشيعة، أعاد النظر في الروايات وتمحيصها، فإذا كان يترتب على الأمر شيء ذو أهمية كانوا يعيدون النظر والتمحيص، والتأكد من الأسانيد

وأنا لا أقول فقط بالنظر في الأسانيد، بل أنا مع النظر في المتن والسند، ولكن السند في غاية الأهمية؛ لأن هناك منزلقات معينة يكون للسند أهمية كبيرة فيها، وهذا ما كان يحدث تاريخيا في حالة النزاعات التي تقوم عليها صراعات، حيث كان يرجع إلى السند باعتباره حكما فاصلا فيها

جماعات العنف والفهم الخاطيء للسيرة

ـ بعض جماعات العنف تستند إلى نصوص من السيرة، وكذلك دعاة السلم واللاحرب يخرجون أيضا أدلتهم من السيرة، فهل معنى ذلك أن السيرة فضفاضة، أم حمالة أوجه، أم غير واضحة المعالم في القضية الواحدة؟

أحيانا تكون هناك عوامل متعددة تؤدي إلى هذه الاختلالات، ولعل ابن تيمية في كتابه “رفع الملام” تكلم عن عدد كبير من الأسباب التي تدعو إلى الخلاف، وبالتالي سؤالنا يكون: “ما الذي يشكل عائقا أمامنا إذا افترضنا أننا أخذنا صحيح السيرة مع كامل الاحتياطات، هل هذا سينفي الخلاف؟”، لا سيقلل درجته فقط، ويجعله مستندا إلى منطق صلب

في الماضي ربما كانت المشكلة تتعلق بالنص وفهمه، لكن اليوم لدينا مشكلة اختلاف العصر، فإذا نظرت إلى محصلة ثقافة متخذ القرار في الحالات الإسلامية من حيث صلابته في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وتاريخ الصراعات والنزاعات، ستجد محصلته ضئيلة جدا لا تزيد عن قصاصات أوراق، أو قراءات متناثرة، في حين أن إدارة الصراعات معقدة في هذا العصر الذي شهد ثورة الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا، فلم يعد مجديا أن يقود حركة إسلامية خريج كلية شريعة، أو مناضل في الحركة الإسلامية، بل تحتاج إلى عقول كبيرة مستوعبة لعصرها.

كثير من الإشكاليات نراها نتيجة -فقط- قراءة النص، فقد يكون النص صحيحا، لكن الإشكالية في إسقاطه على الواقع؛ لأن النص لا يعمل في فراغ، فحين نعمله في واقع غير الواقع الذي صيغ النص من أجله تنتج لدينا مشكلة كبيرة

ـ أخذ مشروعك الفكري في كتاباتك السابقة طابع العلوم الإنسانية، ثم انتقلت إلى العلوم الشرعية بتناولك للسيرة النبوية، متى بدأت هذا المشروع المتعلق بالسيرة ولاحت لك فكرته؟ ومتى قررت الدخول على خط العلوم الشرعية؟ وما الهدف منها؟

هذا جزء من مشروع “إعداد القادة” المحتوي على أربعة حزم معرفية، الأولى: متعلقة بمقدمات المناهج، والثانية: متعلقة بالعلوم الإنسانية، والثالثة: بالعلوم الشرعية، والرابعة: متعلقة بالأدوات الإدارية.. فلم يكن هذا شيء خارج عن السياقات التي يمر بها المشروع

ـ هل قمت بالعمل منفردا أم من خلال مختصين يساعدونك؟

كل شيء احتاج لمختصين كنا نرجع إليهم، فمثلا ونحن نتناول السيرة، لم أعتقد أنني سأحقق أحاديث السيرة النبوية، لكن هناك كتابان مشهوران محققان في صحيح السيرة، أحدهما للأستاذ “أكرم العمري”، والآخر معتمد من أُناس ذوي وزن في العلم الشرعي، فإلى هذا الحد من الاطمئنان أكتب مستخدما الخبرات المتاحة

أنا لم أكتب كتابة متخصصين ابتداء.. الإنسان العادي يقرأ الجريدة اليومية، ليجد أول صفحة في السياسة، والثانية اقتصاد، والثالثة اجتماع وهكذا، هذه الصفحات لم تعد للمتخصصين، ولكن أُعدت للجمهور العادي، وما أكتبه يدور حول ما يلزم الجمهور حتى يستطيع إدراك القضايا التي يقرؤها في الجريدة وتعرض عليه، فأقول ما يضر الجهل به في هذا العصر، أما مسائل التخصص فمتروكة لأهلها.. لكن حتى في هذا الجزء الصغير حين يشكل شيء سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع وغيرها فعادة ما نستكتب متخصصين، ونتصل بهم ونحاورهم، ونستبين النقطة المشكلة حتى نتأكد من أن ما نطرحه على الأقل يمتلك مشروعية بدرجة من الدرجات

تقسيم السيرة بين العهدين المكي والمدني

ـ هناك مسألة في السيرة النبوية تبنى عليها أفكار وجماعات ومناهج ورؤى، وهي تقسيم السيرة إلى العهدين: المكي والمدني، فترى أن المكي اهتم بالعقيدة، إذن علينا أن نبدأ بالعقيدة، والمدني اهتم بالتشريع، إذن هي مرحلة تالية نؤجلها لأنه لا دولة إسلامية الآن، وأننا في مرحلة استضعاف فنحن إذن في المرحلة المكية، وتحكمنا هذه الفترة بقوانينها وتشريعاتها، فما رأيك في هذا الفهم المبني على هذا التقسيم وما ينتج عنه من أفكار ورؤى؟

هذا التقسيم بالأساس تقسيم علمي، يخدم توصيف مرحلة وتفريقها عن مرحلة أخرى، لكن التعاطي معه كان خطيرا جدا عندما حاولنا توظيفه حركيا، هناك جملة أشياء تحتاج إلى مراجعات حادة، فـ”سيد قطب” مثلا كثيرون يستشهدون به وله كلام صريح: “إن المرحلة المكية كانت العقيدة، والعقيدة وحدها هي محور التركيز فيها”، وهذا عند المتأمل في القرآن يجد أن هذا الكلام ليس صحيحا، وأن كل القضايا الكبرى سواء كنا نتحدث عن العقائد، أو العبادات كالصلاة والزكاة ومتعلقاتهم، أو القيم الكبرى كالعدل والإحسان والتقوى، أو الجانب الاقتصادي ورعاية المحرومين، أو الإشكاليات الاجتماعية التي تناولها القرآن، فالقرآن اشتبك مع القرشيين في قضايا كثيرة، ويكفي أن تجد في سورة العلق قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) فيشتبك مع الواقع والاصطدام بالواقع العملي، الاحتكاك بأبي لهب (تبت يدا)ـ

وانظر إلى القضايا الكبرى مثل وأد البنات، لم ينتظر القرآن حتى يؤمنوا كي يطالبهم بوقف هذه الممارسات، لم يقل سنكلمهم ابتداء في الإيمان ثم نعالج المرض، بل عالج مباشرة هذه الإشكاليات مثل وأد البنات، وقتل الأولاد خشية الفقر، والتطفيف، والشذوذ الجنسي، والطغيان السياسي، كل ذلك في المرحلة المكية، فعالج بذلك قضيتين كبيرتين: قضية الأسس الكبرى التي تقوم عليها المجتمعات، وقضية الاحتكاك بالواقع والصراع معه، ولم تكن مؤجلة إلى إنجاز ما سمي بمرحلة العقيدة أو التربية

وكان القرآن يتعامل مع الإنسان باعتباره كيانا واحدا، يتربى، ويتناول القضايا، ويتعلم العبادات في آن واحد، فلم ينزل في القرآن فصل كامل في العقيدة، تليه فصول عن قضايا الواقع

القضية الثانية: هي استبطان العودة للمرحلة المكية، أي أننا بعد مليار وثلاثمائة مسلم، وبعد ما يزيد عن 1400 سنة لا زال يخطر في بال البعض: أننا سنعود لمرحلة مكة والاستضعاف، لوجود شبه معين مبني على مقاربات ثقيلة الوزن لواقع ليس له علاقة بذاك الواقع الذي كان موجودا سابقا، فتم تكبير قضايا لتأخذ أكبر من أحجامها بشكل كبير، فقضية كـ”الحاكمية” مثلا كل علماء أهل السنة يطرحونها في باب الفقه، لكنها نقلت بقدرة قادر إلى باب العقائد، فأصبحت مسلمة، وإذا اعتبرنا أن مسألة الحكم بهذه الدرجة من الأهمية فإن التاريخ الإسلامي ليس إسلاميا، وليس لدينا إلا مرحلة قصيرة جدا كان فيها الإسلام، لذلك مترتبات مثل هذه الأقوال كانت خطيرة على مستوى الفكر، وأيضا على مستوى الممارسات والتكوين الشخصي، وأعرف أحد الشباب قال: “جلسنا نتدارس العقيدة أكثر من أربعة عشر عاما، ندرس فيها كتب العقيدة، لأننا غير جاهزين بعد لتجاوزها”

وهناك في الأسئلة التي وردتنا على موقع “إسلام أون لاين.نت” من يلقي بكل مشاكل العالم الإسلامي على قضية التربية، وسأضرب مثالا، عندما يقول لك شخص: “نحتاج أولا أن نتربى ثم نعالج قضايا الواقع، أو نحتك به”؛ حسنا، هناك مرحلة تسبق الفعل وهي مرحلة التربية، ثم الإنسان ينطلق، فهل فعلا فعل الرسول ذلك في مسيرته؟! وهل هذا أمر منطقي يمكن أن يتم في الحياة العادية؟ وما المعايير التي سنقول بناءً عليها بأن الإنسان الآن جاهز، وقد أنهى مرحلة التربية ويمكنه الانطلاق في الحياة، متى تنتهي المرحلة ليبدأ ما بعدها؟

الأمر الثاني: إذا كان كل فشل في الحياة سببه فشل في التربية.. فنحن نعرف أن الصحابة اختلفوا واقتتلوا، فهل كانت تربيتهم خطأ، أم أن العيب في المربي، أم أن خامتهم لم تكن قابلة لاستيعاب كلام المربي، أم أنهم كانوا أخيارا سليمي العقيدة والعبادة والخلق، لكنهم لم يحسنوا إيجاد حل لمشكل سياسي واجههم، لم يبدعوا آلية لفض النزاع؟

أيضا إذا استطردنا مع المنهج القائل بالتربية، اليوم نتحدث عن الأستاذ “حسن البنا” باعتباره كبير المربين في هذا العصر، ومدرسته هي من أكثر المدارس التي تكلمت عن أهمية التربية، اقرأ كتاب (مذكرات الدعوة والداعية)، وانظر كيف كانت في فترته المكائد تحاك، وانظر إلى أفضل بناء خصه بالتربية وهو (التنظيم الخاص) ماذا حدث له، وانظر إلى إشكاليات مكتب الإرشاد بعد وفاته، هل هي مشكلة تربية أم هناك أسباب متعددة لحدوث الإشكالات بين البشر، إننا بذلك نحكم على كل المربين أنهم فاشلون، والمتبنون لهذا المنطق لسان حالهم: “سنكتشف الطريقة العبقرية للتربية” ومعنى هذا الفهم الخاطئ لقضية التربية أننا نحكم بأن الأنبياء لم يتوصلوا للطريقة الصحيحة للتربية ولا الدعاة، وهناك من سيأتي بما هو خير، كل هذا يتطلب مراجعة حقيقية

إذا ذهبت أبعد من ذلك، إلى من يعتبرون التربية هي الجانب الإيماني الروحي؛ فإن أكبر مراحل انهيار الحضارة الإسلامية كانت مرحلة انتشار الطرق الصوفية التي اعتنت بالروحانيات، فإذا نظرت إلى ما يسمى بـ”دولة المماليك البرجية” ستجد أن الطرق الصوفية ملأت مصر، وهذه كانت لحظة انحطاط في تاريخ دولة المماليك، لا يمكن الحديث عن واقع معقد بتفاصيل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ودولية وإقليمية ومحلية بعنصر واحد تحليلي وهو “التربية”.. جملة المشاكل نتجت من القراءات الخاطئة لموضوع السيرة

السيرة النبوية ومشكلة الغزوات العسكرية

ـ العهد المدني نفسه كما يذكر في السيرة، أهمل فيه العرض الحضاري للإسلام، حتى أفلامنا العربية تركيزها في السيرة على الغزوات، أما الجوانب الحضارية والإنسانية في السيرة -ما قبل الحرب وما بعد الحرب- غير موجودة.. فما السبب في اختزال السيرة النبوية في العهد المدني في هذه المساحة الضيقة، مساحة الغزوات فقط، أو التركيز عليها بنسبة 90%؟

غالباً وليس جزما: إن المسلمين في البيئة العربية تحديدا ميلهم الأساسي للعسكرية، بسبب الطبيعة القبلية في المجتمعات، وإبراز البطولات والجانب الروحي في الحروب؛ أما العلماء فقد أخذوا الجوانب الحضارية وأدرجوها في أبواب في كتب أخرى، فقد تجد سيرة الرسول في بيته ليست موجودة في السيرة، وإنما في كتب أخرى مثل “البخاري” أو “مسلم” حيث بوبوا السنة، والآن أعرف من يهتم بمثل هذا المشروع مثل الأخ الدكتور “صالح اللهيبي” الذي يقوم الآن على دراسة هذا الموضوع، حيث تم التعامل مع مثل هذه الكتب باعتبارها مصدرا فقهيا وليس حضاريا، بحيث يمكن إعادة ترتيب الموضوعات حتى يكون لدينا نسق يمكن من خلاله فهم حركة المجتمع المسلم في السياسة والاجتماع والاقتصاد وإدارة الخلاف، من خلال ما هو متوفر من مادة.. لكن بسبب هذا الميل الطبيعي للرواية القصصية في البيئة العربية المحلية تم اختزال الرواية في المسألة العسكرية، والأشياء الثانية تأتي عرضا في سياقات أخرى

ـ عفوا دكتور، حتى الأحداث البينية التي هي من صميم الحياة والواقع، أهملت أو ذكرت ملحقة بالغزوات، فزواج النبي صلى الله عليه وسلم بفلانة من أمهات المؤمنين يؤرخ بأنه كان بعد غزوة، أو قبيل غزو، وهكذا بقية الأحداث لا تبرز منفردة كأحداث مجتمع، فلماذا غابت يوميات المجتمع المسلم في عرض أحداث السيرة في العهد المدني؟

لم يكن هناك وعي حقيقي بأهمية رسم صورة المجتمع.. فأنت لو أردت أن تعرف صورة المجتمع في بريطانيا فترة العصور الوسطى، فستجد يوميات المجتمع البريطاني مدونة، لأسباب متعددة، والصينيون لديهم يوميات تكاد تملأ ما بين المشرقين والمغربين، لأن لديهم مدونين كانوا يكتبونها، نحن لا نمتلك مثل هذه الأشياء.. وربما تكون موجودة، لأن تراثنا 95% منه لم يحقق.. نحن أمة تجهل تراثها أصلا، بالأمس سمعت خبرا؛ في تركيا أسسوا المتحف العلمي، حتى يقولوا: “إن هذه المخترعات سرقت من العلماء المسلمين”، وهذه نماذج لما تم سرقته ونسب إلى غيرهم

في تقديري: لدينا وعي بأهمية الموضوع، لكن لا يوجد اتجاه قوي لتحقيقه إلا بمبادرات فردية، والمبادرات الفردية أحيانا أقوى من فعل الجماعات، فمن لديه همة في هذا المجال فليتقدم ليرسم لنا صورة حول يوميات المجتمع المدني وإشكالاته، فمثلا حديث “لا هجرة بعد الفتح”، في أذهاننا أن هذا متعلق بحكم شرعي، بينما بالتأمل من الناحية الاقتصادية سنجد: أن المدينة كانت عاجزة عن إيواء من يفدون إليها؛ لأن عدد سكانها العاطلين كبير، وأصبحت في ضغوط اقتصادية بسبب المهاجرين والقبائل القادمة، لذلك أوقف الرسول صلى الله عليه وسلم عملية الانتقال، لذلك نحن بحاجة إلى من يدرس الوضع الاقتصادي وتطوراته، وآخر يدرس الوضع الاجتماعي وتطوراته، وآخر العلاقات الإنسانية التي كانت تتم، وسنتطرق لبعض هذه الجوانب في السيرة ليس على سبيل الاستقصاء ولكن لإبراز النماذج، ولتوضيح ما الذي يدل عليه حدث من هذا النوع وحدث من نوع آخر

الدعوة وشرعية اللجوء للعمل السري

ـ نقدت في مقال من سلسلتك في السيرة، اللجوء للعمل السري، باعتباره أمرا شرعيا، وفهم من ذلك أنك تنفي عنه الشرعية، فماذا كنت تقصد بكلامك عن اللجوء للسرية، والاستناد في ذلك للسيرة النبوية في عهد الدعوة الأول؟

ما كتبته وما أهتم به: أن هناك سلوكا بشريا عاديا، الإنسان قد يحتاج في أمر للسرية حتى في حياته الخاصة، وهناك أمور أخرى لا يبالي بها أن تصل للناس، والشركات والحكومات لها جانب سري وآخر علني، هذه هي طبيعة الحياة، لكن القول إننا نبدأ الآن في المرحلة المكية والتي كانت فيها السرية، والسرية هذه جزء من الدين، حينها أقول: “لا” يجب أن نتوقف، لا توجد عودة للمرحلة المكية بحال من الأحوال، فمحال أن يعود الزمن إلى الوراء، والسرية ليست دينا، بل قد تحدث أو لا تحدث، إنها مثل أي سلوك طبيعي، الإنسان إذا جاع يأكل، وإذا شبع يمتنع عن الطعام

في رأي كثير من الاستدعاءات، خاصة من يعيش التجربة العملية يجد أن كثيرا من الاستشهادات تلبس عباءة الدين، ما خطورة ذلك؟ أنها تنعكس على العلاقة بالمجتمع وبالأسرة؛ فالشخصية السرية التي ترى أن لديها سرا كبيرا جدا تريد الاحتفاظ به، لا تصلح للمشاركة في تنمية المجتمع، والعلَّة في ذلك: أن هذا دين إذا أردنا خلق شخصية سوية لا نؤصل للموضوع باعتباره دينا، وأن نميز بين المساحات التي فيها سرية والمساحات العادية، فقد تجد شابا فيه كل مهارات المتحدث البارع، تراه يمتنع عن الحديث لأنه يشعر أنه صاحب فكر أو رأي، وإذا تكلم فسيكتشف أنه صاحب فكر كذا وكذا، أما إذا توفرت الحاجة إلى السرية فلا بأس، لكن الأصل أن تبنى الشخصية الإنسانية بشكل طبيعي، فهي شخصية لا تخاف الحياة والمجتمع، فالأمراض تظهر في الممارسة السرية، فمن المخاطر التي ترتبت على التربية السرية هي خلق هذا الإنسان الخائف المتشكك فيمن حوله، فإن أردنا إخراجه من هذا الطابع لا يخرج منه

ـ وما رأيك فيمن يتناول هذه المرحلة من السيرة من باب امتلاك النبي صلى الله عليه وسلم للقدرة على إدارة الصراع مع مكة، بخطط أمنية قوية؟

أمر الإسلام شاع وبه (مستضعفون) ولم يكن غريبا أن يتخفي البعض، وأن تجد للرسول ظروفا، أي أنه طابع مرحلة لم يؤمر بالتبليغ العام فيها، وكان يبلغ بطريقة خاصة؛ لكنك تسمع عبارات مثل “التنظيم السري في المرحلة المكية”، “الخطط الأمنية تدار من قبل الرسول”، و”التربية الأمنية”، تقرأ في السيرة لا تجد ما يسند مثل هذه الاستنتاجات، كأن البعض يحاول تحويل السيرة إلى فعل من أفعال (CIA) و(kgb)، فيخبرك عن دقة التخطيط الأمني، وهذا لا يعني انتقاصا من قدرة الرسول على التخطيط الدقيق، لكن هذا تحميل للمشهد أكثر مما يتحمله، فيخلق عند الشخصيات التي تمارس مثل هذه الأفكار وتتبناها شخصيات غير سوية

مبررات وجود التنظيمات الإسلامي

ـ الحديث عن السيرة يجرنا إلى ربطها بالمسيرة الشخصية لك، هل هذه الرؤية النقدية التي أصبحت سمة بارزة في خطابك الآن، نابعة من عدم ارتباطك بأي جماعة فتحررت من القيود الفكرية، أم أنها طبيعتك قبل الارتباط التنظيمي وبعده؟

الاثنان معا، لي طبيعة شخصية، وأيضا جدَّ لي الجديد من الرؤى، اثنان لا يتغيران الجدار والحمار، وطالما أننا نفكر بالتأكيد ستجد لنا أفكار، وبهذه المناسبة وددت إجابة سؤال طرحه أحد الإخوة على الموقع حول التيار والتنظيم، فيجب أن نفرق بينهما حتى لا يحدث ارتباك في العقل المسلم

ـ ماذا تقصد بالتيار؟

ما أقصده بالتيار -غيري قد يقصد شيئا آخر- هو العودة إلى فكرة الأمة باعتبارها الحاضن الرئيسي لمشروع النهضة، وأن الرابط الرئيسي لأبناء الأمة يقوم على قاعدتين: الأولى (أن هذه أمتكم أمة واحدة)، والثانية (وتعاونوا على البر والتقوى)، فكل من عنده هاتان الخاصتان، فإنه مهتم بنهضة الأمة، ولديه مشروع يعمل، فهو يعد من تيار الأمة

أما التنظيم فهو تعاقد خاص، بشروط محددة، بين أطراف محددة للقيام بعمل محدد، فهو ابن الزمان والمكان والظروف والعوائد التي تحيط به، فإن وجدت مبررات وجود التنظيم فليكن، وإن انعدمت أو اختفت فلا ضرورة له، وتبقى الأمة هي الأصل والمرجع، فالتعاقد في الأمة ليس فيه هرمية بل قائم على التعاون على البر والتقوى، والأحزاب والتنظيمات هي استثناء للقيام بمهام محددة لمواجهة احتياجات معينة، تختفي إذا اختفت مبررات وجودها، أو تعيد صياغة نفسها بشكل جديد، وهو اختفاء محور، فإن غيرت أهدافها وتوجهاتها وبنيتها تكون قد تغيرت حتى لو استبقت الأسماء، ففي تقديري أننا يجب أن نميز بين هاتين المساحتين

وما اعتقده الآن أننا في حاجة إلى تعزيز مسيرة الأمة كأمة، وتبقى الاستثناءات لظروفها وأوضاعها.. فما الذي حدث أيضا في العقل المسلم مع طول أمد استدعاء المرحلة المكية، وترويج الاستنتاجات التي شاعت، أصبح الأمر مقلوبا، أصبح مفهوم الأمة هو الاستثناء، ومفهوم التنظيم هو الأصل، فعُكست المعادلة، وأصبح السؤال ما مفهوم الأمة والتيار؟ بينما السؤال ما هو مفهوم التنظيم والحزب؟ لأنهما الاستثناء والأصل هو الأمة، لكن لطول استبقاء مثل هذه الأشكال واستدعائها في سياقات أنها عبارة عن عودة للإسلام في المرحلة الأولى، وستواجه الجاهلية المعاصرة الآن بنفس المنهج الذي كان موجودا، أصبحت مستبطنة أنها هي الأمة وأن الواقع الخارجي هو الاستثناء، ورغم أن ذلك لا يقال، لكنه هو واقع الحال، والدليل هو أن الأحاديث والآيات التي وردت في سياق “الأمة”، و”الإمامة العظمى” أصبحت تستدعى في سياق التنظيمات، مثل “من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة الجاهلية”، تستدعى في سياق أي تنظيم من التنظيمات، بينما الحديث هنا عن جماعة الأمة، هذه الإشكاليات التي أصابت العقل المسلم تحتاج إلى إعادة ترتيب، هذا ما أراه وقد يكون اجتهادي خطأ والعلم عند الله

ـ ولكن هل العمل وفق تيار -كما أوضحت- يتنافى مع التنظيم؟

هناك مسألة التخطيط، والتنظيم، والمنظمة، نحن نتحدث عن المنظمات الإسلامية التي تعتقد أن عندها سرية ورغبة في استعادة الدولة الإسلامية، وتدخل في صراعات متنوعة مع المحيط الخارجي، هذا يختلف عن حديثنا عن مؤسسة لخدمة السيرة، أو المجتمع المدني، أو حزب سياسي، في كل الحالات تحتاج التخطيط، لكن الاختلاف هل يتم سرا أم علنيا؟ هل يتم تحت الأرض أم فوقها؟ فأي مؤسسة تخلق تنظيما، لكنه ليس بالضرورة تحت الأرض، لأن تحت الأرض يخلق إشكالات

ـ ذكرت أن السرية ليست خطأ على الإطلاق وكذلك المنظمات والتنظيمات، وأن وجودها مرهون بشروط احتياجها وبقائها، فمن الذي يحدد أهمية وجوده كتنظيم من عدمه؟

نحن لم نطلب من أحد أن يفعل أي شيء، هناك جانب متعلق بالمنظمات نفسها، إن رأت أن دواعي وجودها لم تعد متوفرة، فلديها حلان: إما أنها تلغي نفسها وتذوب في المجتمع العام، أو تعيد تشكيل نفسها لخدمة أهداف جديدة، كالتحول من تنظيم سري إلى حزب علني، فقد تجد من داخلها رؤية

المسألة الثانية: عندما نجد أن الواقع الخارجي دلالاته كلها تشير إلى أنها انتهت فاعليتها، أو جدوى وجودها انتفت، سواء اعترفت هي أم لم تعترف، فإزالة الفرق والجماعات ليست مسألة سهلة، الفرق الضالة تاريخيا بقيت إلى يومنا هذا، ناهيك عن أناس قائمين على الحق، قد لا تدرك مؤسسات في لحظة تاريخية معينة أن مبرر وجودها انتفى، أو أن قدرتها على الوفاء بما وعدت به انتهت، وتستمر في الوجود، هذا ليس استثناء بل يحدث كثيرا تاريخيا، لكن ما نقوله هو أهمية الاستقرار على أن هذه التنظيمات ليست دينا، وليست حقائق أزلية، وإنما هي استجابة لاحتياجات الواقع يختلف الناس في تقدير مدى فاعليتها في تلبية هذه الاحتياجات، أما من يعتقد أنها دين فهنا تكمن الخطورة

هناك من ألبس كل شيء طارئ واستثنائي ثوبا أزليا وعده من الثوابت، وهذا يقود إلى استنتاجات وممارسات مكلفة لكل الحالة الإسلامية، وحسن النية قد يكون موجودا، بل الغالب على ظني أنه موجود، لكنه لا يرتبط بصواب العمل، لذلك كلما استطعنا تمكين الشباب المسلم من أن يكون لديه أدوات احتكام منهجية استطعنا جعله يحسن التعامل مع الواقع وهذه الأطروحات، لأن كثيرا من الأطروحات لبست عباءة الدين، وتدثرت بآيات وأحاديث استدعتها في غير سياقاتها، وأسست لمنظومة أفكار تجعل المراجعات صعبة جدا

الجماعة والفهم الإخواني للسيرة النبوية

ـ معظم النماذج والإسقاطات الخاطئة التي ذكرتها في الخلل في فهم السيرة، كلها تعتبر في إطار الفهم الإخواني للسيرة، هل لأنك كنت إخوانيا من قبل، وقد خبرت الفهم الإخواني، أم هي مسألة غير مقصودة؟

هذه من طرائف القضايا.. اتصل بي إخوة متنوعون سواء من الإخوان أو التيار السلفي، وكلهم يعتقد أنهم المقصودون بالحديث.. هو قد يكون فعلا يلامس إشكالات موجودة في جملة الطرح الإسلامي، وبالتالي الملامسون لهذه الأجواء يجدونه لصيق الصلة بهم، لكن إذا نظرت إلى الكتابات الإسلامية بشكل عام، ستجد أن الأفكار بشكل عام متقاربة، فموضوع العقيدة على سبيل المثال ليست متعلقة بالإخوان المسلمين إلا في فكر سيد قطب رحمه الله، فأنا لم أذكر الإخوان يوما لأني لا أستهدف جماعة بعينها، كل ما أتمناه ليس الأخذ بما أقول، ولكن التفكير فيه، والقرآن وصف صنفين من الناس، أحدهما وضع أصابعه في آذانه (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم)، والثاني هو (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، فما نطرحه كله عبارة عن اجتهادات ورؤى، ليس فيه شيء نعتبره دينا، وبالتالي في وسع كل إنسان أن يقول: “هذا الكلام لا يعجبني، ولا أراه صوابا، ورأيي في الموضوع هو كذا”ـ

فالجماعات الإسلامية والشباب المسلمون أنصحهم أن يكونوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فأي شاب إما أن يقرر ألا يسمع أبدا ما نقول، أو يقرر أنه ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا يتخذ موقفا مسبقا بسبب كلمة يعتقد أن المقصود بها فلان أو جهة بعينها، لأنه ما من إنسان يكتب إلا و يخطئ، لكن فلينظر إلى عموم ما يقال، هل فيه رأي أو فكر، يأخذ منه ما يراه صوابا، ويترك ما يراه خطأ، نحن لسنا بصدد حكم قضائي؛ افعل ولا تفعل، نحن في مقاربة السيرة، ليس بالضرورة أننا سنصيب الصواب الذي ليس بعده خطأ لأننا اعتمدنا الروايات الصحيحة، ولكنها إحدى القراءات التي ننبه فيها إلى جوانب معينة، فإن أخطأنا فليقل لنا الناس: “هذا خطأ”ـ

كنت أقول لبعض الشباب: “بدلا من أن تتعب نفسك في البحث في نية الكاتب، قل له اعتراضاتك مباشرة، مثلا هذا الحديث الذي ضعفته صحيح، أنا مثلا أقول لا توجد أحاديث صحيحة حول المرحلة السرية، ولا تعيين لزمانها، أو مكان تمت فيه مثل دار الأرقم، قل لي: إنني مخطئ وهذا هو الدليل، وبذلك لن تكون في حاجة للتفكير في نيتي”ـ

ـ بعض الناس يتساءل: هل يريد د. جاسم سلطان تفكيك الجماعات في هذه المرحلة، وهي مرحلة المواجهة، وهي الآن تتصدى للهجمة الغربية، وإضعافها في هذه اللحظة التاريخية ليس في مصلحة الإسلام والمسلمين؟

هذا السؤال يطرح سؤالين: هل الإصلاح في الأفكار والتصورات يأتي بعد إنجاز مشروع مواجهة الحملات الصليبية ثم يبدأ التصويب؟ وما هو المنهج القرآني، هل كان يصوب القرآن فعل الرسول والصحابة أثناء الأحداث أم بعد أن ينجز المشروع، حيث تم جرد الحساب؟ كان القرآن يتنزل ليقوم سلوك الصحابة في أحداث بدر وأحد وحنين، فكان يتنزل بعد وأثناء اتخاذ القرارات، ليصوب الأمور وهي قائمة؛ وعندنا احتمالان للحدث: إما أن تكون هذه الأخطاء تكميلية تحسينية، وبالتالي لن يضر أحد أن يتم التعرض لها، أو أن تكون أخطاء في صميم بنية الأفكار، وعندها تصبح المصيبة كبيرة؛ لأنه إذا كانت بنية الأفكار أصلا خطأ، فهذا معناه أن المشكلة ليست يسيرة، ولن يغني القول بأننا سنواجه، المواجهة بالمناسبة ليست مرهونة بالحركة الإسلامية، الأمة تواجه قبل الحركة الإسلامية وبعدها، لأنها مقاومة أمة، ليست مرهونة باختفاء جماعة بعينها، وبالتالي فهي جملة نمطية تفكير، فالرسول وهو في قمة الصراع مع قريش القرآن يتنزل (عبس وتولى)، ولم ينتظر حتى تنتهي مشكلته مع قريش

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: