حوار على صحيفة عكاظ

حوار مع الدكتور جاسم سلطان على صحيفة عكاظ السعودية

حول مشروع النهضة

1.  دكتور دعنا نبدأ من النهاية!! أين وصل مشروع النهضة الذي طرحتموه؟ وآخر مستجداته والدور الذي يقوم به حالياً؟

في البداية يجب أن نعرف ما هو أصلاً مشروع النهضة، أي مشروع نهضة في أمة يتكون من قاعدة فكرية قوية قادرة على خلق نظريات وتوفير أجوبة تجابه التحديات المطلوبة، كما يتكون من ذراع تنفيذي يقوم بترجمة الأفكار إلى واقع. ولذلك فمشروع النهضة هو مشروع أمة لا أزعم أنني أملك مقاليده، أو أستطيع أن  أخمن إلى أين وصل وماذا حقق من  إنجازات، لكنني أستطيع أن أتحدث عن مساهمتنا في هذا المشروع الكبير.
فالمشروع الذي أعمل فيه بالأساس هو مشروع فكري أعتبره مساهمة من ضمن مساهمات فكرية كثيرة موجودة في الساحة، وهو مشروع قادة النهضة، وفيه طرحنا بعض الرؤى حول نهضة الأمة، لكنه بالأساس معني بتوفير الأدوات القيادية التي تمكن القائد من فهم الواقع والتعاطي معه، أي أننا نساهم في توفير القاعدة الفكرية لمتخذ القرار، الذي ربما يطرح بعد ذلك نظرية عمل ورؤية أفضل مما نتخيله.. أي أن مشروعنا معني بالتأسيس للتفكير وليس فقط إبداع حلول جاهزة. نحن نسهم في بناء قاعدة فكرية لمشروع ضخم.
وقد قطعنا في هذا المشروع شوطاً كبيراً بفضل الله، فاكتملت مادته التنظرية والتدريبية لتشمل 22 مادة، طبع منها ستة كتب، وهناك دورة قيادية نقدمها للراغبين في فهم المشروع وأبعاده، وموقع إلكتروني لمن أراد التعرف على المشروع …أما من ناحية وصوله للمستهدفين فالحمد لله هو ينتشر بسرعة غير متوقعة… ربما ساهمت فيها الظروف التي خلقت مناخاً ملائماً لتلقي الفكرة واحتضانها فمن خلال حجم تداول الأفكار عبر الشبكة العنكبوتية وطلبات التدريب التي تصلنا وحجم الأسئلة والاستفسارات عن المشروع تحقق أكثر مما كنا نتوقع خلال أربع سنوات من عمر إطلاق المشروع. أما آخر مستجداته فهناك الكتاب السابع تحت الاعداد وهو حول “كيف نفهم الاقتصاد” …والمشروع يتطور يوما بعد يوم من خلال الحوارات والأسئلة الجديدة… ونرى أنه أحدث حراكاً فكرياً يبشر بنمط فعل مختلف في السنوات القادمة.

2. لكنكم نقضتم مشروعاً كان قائماً وقدمتم مشروعاً بديلاً، ألم يكن ممكناً أن تقدم مشروعك من خلال المشروع الذي كان قائماً لاسيما وأن له أجندته وحضوره؟

لم يكن الغرض نقض أي شيء صالح قائم، ولكن المشروع طرح لاستكمال مسيرة مشروع الأمة نحو النهضة، وليحاول أن يساهم في طرح رؤية للمستقبل المطلوب محتملة النجاح. وكل طرح لجديد يمارس دوره في وجود قائم له تشكلاته، فلم تطرح أفكار النهضة ذاتها في الصين أو الهند أو أوربا في فراغ فكري أو تنظيمي. ولكن فكرة النهضة لم تر أن هذه الأوعية قادرة على الاستجابة لأسئلة اللحظة واستحقاقاتها، فطرحت نفسها من خارج هذه السياقات لتستكمل ما تراه نقصاً يعيق عملية التقدم، وهي حين تطرح نفسها لا تقدم نفسها في شكل إطلاقية الحق ضد الباطل، إنما تقدم نفسها باعتبارها حلاً محتملاً، مطروحا للتفكر والنقد والمراجعة، وهي في ذاتها مراجعة لما سبق… ومن هذا الحوار تتولد أجوبة أكثر صلابة تقود الأمة طوراً بعد طور للأمام… إن ما يبدو تناقضاً وطرحاً بديلاً لشكل معين أو أشكال معينه للوهلة الأولى.. هو استئناف للتفكير والفعل في مسار النهضة الذي قصده الجميع… فالأساس الحرص على حيوية الأفكار وديمومة تجددها وليس الحرص على الأشكال التي ربما تجاوزها الزمن دون أن نشعر .

3. طرحتم فكرة التيار بدلاً من التنظيم، من سيقود هذا التيار؟ ألن يؤطر نفسه ضمن مؤسسات وتنظيمات حتى تصبح الأفكار والمشاريع مؤسسية لاجهود فردية مبعثرة، وبالتالي الرجوع إلى فكرة التنظيم والعمل الجماعي؟

لم أطرح فكرة التيار بدلاً من كل أنواع التنظيمات، وثنائية التيار والتنظيم ابتداءً ثنائية مغلوطة، لأن فكرة أن هناك تنظيماً ما قادر على التخطيط المركزي للنهضة في مجتمع ما خلاف الدولة هو وهم كبير، إن التنظيم مهما كبر في وجود الدولة المركزية، ينتهي دوره إلى مساحة صغيرة قد تكون هي تربية مجموعات صغيرة على فعل مكرر مع حلم الدور الكبير، وبالتالي فما يبدو أنه حلم وفعل جامع هو في حقيقته وفي وجود الدولة المركزية يتقزم لفعل جزئي بالضرورة لعدم إمكانية وجود كليين في ذات المكان والزمان ،الدولة المهيمنة الشاملة والتنظيم المهيمن الشامل، أحدهما لابد أن يقلص وجوده لصالح الآخر، وبالتالي فالأضعف منهما يقلص وجوده لصالح الأقوى …عندما نصل لهذه الحقيقة البسيطة …نصبح أمام سؤال النهضة الحقيقي.. ما هو دور الدولة وما هو دور الأشكال التنظيمية التي ينشئها المجتمع؟ والتي وصلنا لنتيجة موضوعية أنها بطبيعة الحال لا تستطيع إلا أن تكون جزئية ومبادرات لملء فراغات تسدد بالجهد المجتمعي أجزاء من الصورة .إذن نحن أمام مشهد فيه جزء لا يمكن أن يحدث إلا بقرار من الدولة، وهو جزء حشد الطاقات والسير في طريق الاحتشاد كما حدث في الصين والهند وماليزيا مثلاً… ومسار آخر يستطيع أن يسهم فيه المجتمع بكل قواه وهو مسار التراكم وهو يقوم على مبادرات بعضها يأخذ شكلاً تنظيمياً محدداً قانونيا وعلنياً وبعضها يأخذ شكلا فردياً، وعادة ما ينتظمها ويؤطر غالبها أفكاراً كبرى مثل الحق والعدل والمساواة فخطها الناظم فكرة وليس تنظيم شمولي أثبتنا استحالته في وجود الدولة المركزية، وهذا النوع من الفعل يمكن أن نسميه تياراً. فهانحن قلنا أن التيار تشكل طبيعي وفيه أفراد ومنظمات ومبادرات وأعمال تقوم بها جموع المجتمع ولبعضها خط ناظم فكري وليس تنظيمي محدد… بينما فكرة التنظيم الشمولي هي وهم لأنه تشبه بالدولة وليس بأي دولة إنما بالدولة الشمولية والتي سقطت بسبب شموليتها.

-كيف يمكن أن تتحرك هذه الطاقات في هذا التيار إذا كانت الدولة مركزية شمولية كما ذكرت شعارها “ما أريكم إلا ما أرى”، ولا تسمح إلا بجمعيات ومنظمات شكلية تبرر لها ما يمكن أن يسمى مجتمع مدني؟

لا تستطيع أية دولة مهما كانت أن تملأ كل الجوانب وتسدها ، والدولة المعاصرة حتى بأشكالها القمعية، تسمح بمساحات وأدوار للمجتمع شريطة أن لا تشكل تهديداً لوجودها ولو على المدى البعيد، ونحن في مجتمعات أنهكها الصراع على السلطة، ويجب أن لا ينحشر كل المجتمع في مثل هذه الزاوية، لأن مساحة ما تحتاجه النهضة من تحضيرات لا تتوقف عند الوصول لسلطة ما، وما تجربة أفغانستان والصومال والسودان ببعيد …من أراد العمل السياسي فله ذلك وهو مجال لابد أن يقوم به البعض ولكنه ليس مجال العمل الوحيد المطلوب القيام به…وسنتحدث عن تلك المجالات لاحقاً…فعل النهضة عمل شاق يجب عدم حشره في زاوية واحد من الفعل ومساحة المسموح به لم تستنفذ ولن تستنفذ …أما الأشكال الشمولية من الأفكار والتنظيمات فحري بنا أن نمد الخط للأمام ونحسب درجة احتمالية وصولها لما تنادي به على أي مدى زمني منظور بآلياتها ووسائلها، فإن اكتشفنا أنها قابلة عقلاً لإحداث التحول كان وبها، وإن بدى أن الأمر بحسب سنن الله الجارية بعيد فالأمة في حل منها، وكما أن قاعدة (ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب ) صحيحة، فعكسها صحيح (ما لا يتم الواجب به فهو غير واجب). وهو خيار محتمل مثل غيره من الخيارات، فإن استنفذ أغراضه ولم يصل لنتائجه الموعودة فللناس أن تعيد النظر فيه إما إصلاحاً أو تغييراً. وليس هذا دعوة للناس أن تترك ما في يدها من خير،  ولكن أن تعيد النظر فيه بحيث يحقق أكبر فائدة للأمة، وأن يحقق أكبر عائد لمن استثمر فيه.

4. ألا يمكن أن تتوسع دائرة المهتمين بالمشروع لتشمل مفكرين ومصلحين من مختلف الأطياف تعكفون على تقريب وجهات نظر المشاريع المختلفة ومحاولة لبلورة مشروع أو على الأقل رؤى متقاربة؟أم هناك انشغال من قبل القادة بالقضايا اليومية عن القضايا الاستراتيجية؟

هذا الأمر يتم بدرجات متفاوتة، وهؤلاء يقدمون مبادراتهم وآراءهم ويتحاورون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالساحة مفتوحة للالتقاء والحوار وتنقيح الآراء وتطويرها… ولكن هناك صنف من الناس ينأى بنفسه عن التواصل إما لأنه يعتقد أنه يمتلك الإجابات أو لأنه يخشى على ذاته من التحول والتغير… وهؤلاء قد يكونون من الأذكياء ولكنهم بإغلاق منافذ التساؤل حرموا أنفسهم من الخير، وحرموا الأمة من ثمار عقولهم التي أوقفوها عند زمن معين وإجابة معينه. والله سبحانه وتعالى مدح المؤمنين بقوله ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، وذم آخرين بأنهم (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً)، وهذا الصنف الأخير حين يكونون قادة لتجمعات ويتولون مسؤولية أفراد يغلقوا على الأتباع منافذ المعرفة، وحينها لا يحرمون أنفسهم من التفاعل مع الواقع بل يحرمون قطاعات ما زالت في طور التشكل من توسيع مداركها واشتراكها في الخير …هؤلاء فقط يمتنعون عن التواصل مع بقية الأمة…أما قوى الأمة الأخرى فهي تتواصل وتتعاون فيما تتفق عليه وتترك مساحة للقضايا المختلف فيها للتفاكر والنظر …وأنا ألمس تحولات كثيرة من التواصل تبشر بغد واعد بإذن الله .
أما القضايا الاستراتيجية فقد تقزمت في القالب الإداري لما يسمى بالتخطيط الاستراتيجي، وأصبح الوصول لوثيقة شكلية هو الهدف، فإن تم اقتنع الجميع بأن ما تم عمله هو الاستراتيجية … والاستراتيجية تتكون في عقول أعدت وجهزت بشكل استراتيجي …أما من عاش في الجزئيات والفرعيات ولم ينل قسطاً من الحوارات الاستراتيجية الحرة وتدريباً كافياً على الموضوعية فهو بالضرورة غير قادر على مثل هذا العمل وسيظل أسير الجزئيات والفرعيات .إن أي حوار استراتيجي لا يصل إلى عمق الأفكار المنشئة للواقع المغلق الذي نعيشه فهو سباحة على القشرة…وعمق الأفكار حين يتم الاقتراب منه لابد أن يقود إلى تحولات… وطبيعة الإنسان تكره التغيير وبالتالي يتم تجنب موجباته.

5. برأيك ما هي أهم العوائق التي تكبل واقعنا عن الانطلاق في طور اليقظة نحو طور النهضة –كما تسمونها-؟

أربع عوائق كبرى لا بد من التغلب عليها للوصول للنهضة:

أولها: عدم الاستعداد لمراجعة ما تم إنتاجه من أفكار إنسانية واعتبارها نهاية الإجابات، واعتبار معارضتها معارضة للحق وإغفال محاكمتها في ضوء العقل والواقع وعدم الانتباه للواقع الجديد وأسئلته.
ثانيها: عدم الاستعداد لإنشاء عالم علاقات يقوم على أولوية المشروع على ما سواه من الأشكال والمظاهر.
ثالثها: حبس المشاريع التي يحتاجها المشروع في دائرة ضيقة من الاحتياجات وغياب الصرف على المشاريع الضرورية.
رابعها : اغفال الاسئلة الكبرى والسباحة في تعميمات تجاوزها الأفراد العاديون ناهيك عن المهتمين ، والتكرار والترداد فيما بات معلوما من التكرار بالضرورة.

-تقصد مراجعة لعالم الأفكار والعلاقات والمشاريع، في عالم العلاقات هل يجب أن تعاد صياغة العلاقة مع الحكومات، وكيف إذا لم يكن لديها استعداد لعمل أي علاقة من أي نوع كما في بعض البلاد الإسلامية؟ وفي عالم المشاريع هل تقصد أن الجهود تصرف لمشاريع إغاثية وخيرية بدلاً من مشاريع تنموية ونهضوية؟

هنا مربط الفرس، الحقيقة أن الحكومات تقيم علاقات متنوعة مع هذه المشاريع وتتفاوت هذه العلاقات بحسب المصلحة والفائدة، فإطلاقية عدم وجود علاقات ليست مسلمة.. ولكن هل تسمح الحكومات لهذه المشاريع أن تمر بكامل حمولتها وأفكارها؟.. فذلك سؤال إجابته في داخله كما يقال.. ولكن لنطرح السؤال بصيغة أخرى … فما الذي تخافه الحكومات وتخشاه من مثل هذه التجمعات، إذا تركنا الكلام المعروف عن الفساد والمحسوبية والشعبوية وتكلمنا في الأسئلة الكبرى التي يمكن أن يطرحها العقل السياسي والمتعلقة  بإجابات هذه البنى على الأسئلة الكبرى والمتعلقة بالأمن القومي أو الوطني …كيف سيؤثر وصول هذه القوى على ثلاث مساحات …الاستقلال الوطني …النسيج الوطني …الأمن الاقتصادي …في ظل مقولاتها المتعلقة بالمواطنة وحق الاختلاف والتنوع …في ظل مقولاتها حول الوضع الإقليمي …في ظل مقولاتها حول العلاقات الدولية …نحتاج إلى تعميق النظر في المكون الفكري المتعلق بهذه القضايا والمرتبط بأطروحات هؤلاء المخلصين والجموع التي تسعى ليكون لها قول في ادارة الشان العام … أعلم بوجود أفراد يطرحون طرحاً متقدماً في هذه القضايا (خذ مثلاً العوا، والغنوشي، وعمارة، وغيرهم ممن لا يسع المقام لذكرهم)، وانظر وتأمل البنية الكبرى الممتدة عبر بقية الطيف من أقصاه إلى أقصاه.. كم وزن هذه الأطروحات فيما نسمعه من المنابر والخطب والكتابات والتصريحات، وانظر الأفق المطروح للسواد الأعظم …ثم احكم على ماذا نحن مقدمون وإلى أين نقود الأوطان؟ إن التقدم لقيادة الأمم ليس في القدرة على إسقاط الطغاة، ولكن في القابلية لإنشاء بديل أفضل، وما مثال العراق ببعيد لمن شاء العبرة والتفكر وقبله زياد بري في الصومال..إنها دعوة لإعادة النظر لعلنا نـأتي بحلول أفضل، ونطور بنية فكرية أقوم، تأخذ في اعتبارها العالم الحقيقي لا العالم الافتراضي الذي صنعناه…
أعود لجزئية الإغاثة والخيريات  والتي هي جزء مهم من الخير، ولكن المطلوب كبير يشمل عالم الأفكار المحركة، فما الأعمال إلا فكرة تجسدت في عمل…وعالم الفكر يشمل نظرة للتربية ونظرة للتعليم ونظرة للإقتصاد ونظرة للإجتماع ونظرة للسياسة ونظرة للعلاقات الإنسانية ونظرة للعلاقات الإقليمية ونظرة للعلاقات الدولية ونظرة للثقافة ونظرة للدين ونظرة للقانون ونظرة للطرق الموصلة إلى كل ذلك، وكل من هذه النظرات عندما يتم ترجمته إلى وقائع يخلق عالم مشاريع تلبي احتياجات معينة.. فالمساحات كثيرة والعالم لا يدور بين ثنائية الصدام السياسي أو العمل الخيري .

عن الحالة الإسلامية

6.  ذكرتم في مقابلة سابقة أن مسلمات إقامة التنظيم بعد سقوط الخلافة لم تعد صحيحة-في الوقت الراهن- وأنها اصطدمت بحقائق واقعية صلبة، فما هي “الوسيلة الذهبية” للتعامل مع الواقع في رأيكم؟

إننا نحتاج لتيار واسع من البشر والقدرات والطاقات التي يتم تحريرها للعمل في بناء مسار التراكم وتطويره لعله يلتقي بعدها بمسار احتشاد تقوده الدولة الحديثة …هناك مساحات ضخمة لفعل رشيد متعلقة بأسس المجتمع القوي المتماسك والتي تتطلب أن تكون جاهزة لإطلاق مشروع نهضوي لأية دولة …هل قمنا بتجهيزها بعد؟! …ففكرة المواطنة لم تنضج عندنا بعد بل التوجه العام والشحن العام يصب في تطوير آليات تفتيت بدل آليات تجميع …التصورات القيمية مثل الحق والعدل والمساواة لم تتحول عندنا بعد لإجراءات ناضجة مستقرة وثقافة عامة يدافع عنها المجتمع … الحرية والفن والأدب لم نحرر أجوبتها بعد… نحن لدينا أسئلة متعلقة بالاقتصاد والسياسة لم نحسم أمرنا فيها بعد …نحن لدينا عمقاً اجتماعياً لم تبلغه الأفكار الحية بعد… نحن عندنا واقع إقليمي ودولي لم نستطع أن نصيغ علاقات متوازنة معه حتى على مساحة الفكرة  بعد…الوسيلة المحتملة لمواجهة كل ذلك أن نحرك طاقات الأمة في تيار واسع يبحث وينظر ويقيم المشاريع ويعمق الوعي في المجتمعات. وأن نحتضن ونرعى كل المبادرات الحية مادامت تصب في مشروع الأمة سواء جاءت من أفراد أو منظمات أو أحزاب أو حكومات…يجب إحداث حالة من الحراك الفكري وتنشيط عالم العلاقات الإيجابية على قاعدة مصلحة الأمة وتفعيل قاعدة وتعاونوا على البر والتقوى بدون لكن…

7. ما هي أبرز الاختلالات الفكرية في العقل المسلم؟

أبرزها إسقاط سنتي التسخير(العلم ومناهجه) والتدبير(الإدارة ومناهجها) من التداول والوعي، وتركيز الإسلام في سنن العقيدة والعبادة والمبادئ الحاكمة للنظم، والثلاث سنن (الهداية العامة والتسخير والتدبير) في المنهج القرآني هي مرتكزات الاستخلاف الكبرى، وغياب أي منها يعني خللاً وقصوراً سيجني أي مجتمع مرارته ولو بعد حين. وثانيها: اعتقاد أن وجود القيم والمبادئ هو عين وجود النظم والإجراءات؛ فوجود قيمة حرمة الربا لا يعني وجود نظام اقتصادي تطبيقي للقيمة، وإيجاد النظام والإجراء هو جهد بشري لا بد من القيام به وإلا ظلت القيمة تحلق في فضائها دون أن تتنزل على الأرض. وثالثها: اعتبار النقد بالضرورة هو نوع من الهدم بينما لولا النقد لما قامت أية حضارة إنسانية ولما تطور العقل الإنساني، ورابعها: عدم احتضان الجديد وتنميته و الخوف منه وقتله ….وجوهر ذلك كله انعدام التدريب على التفكير الناقد منذ الصغر واعتماد التلقين مبدءاً ومنتهىً.

8.  اختلاف منطلقات المشاريع الحضارية المقدمة في عالمنا العربي والإسلامي من حداثية تغريبية وأصولية إسلامية، ألم تستنزف طاقات كل الأطراف والخاسر الأكبر فيها هو الأمة برمتها؟ وما المخرج من هذا الصراع؟

التدافع الفكري سنة من سنن الله في الأرض كما هي أشكال التدافع الأخرى وهي تعطي المجتمع وجهات نظر متعددة للمشكل الواحد ولكنه يتحول لمشكل عندما يتم استدعاء القوة المادية لفرض اتجاه معين وما قصة المأمون والإمام أحمد ببعيد ولا ما تبعها في التاريخ الإسلامي… إنه نمط التعاطي مع الخلاف الفكري …فإن عد عامل إثراء وتنوع نمت قدرة المجتمع كله وحضارته… وإن سقط في فخ الاستقواء بالسلطة والقوة المادية لحسمه فقد قضى على أجنة الخير في المجتمع… إن المجتمعات تُبنى بالعدل والمساواة والحرية، وأي بناء غير ذلك فهو آيل للسقوط ولو بعد حين. والظلم لا يأتي من الدول وحدها فقد يكون ساكناً وعامراً عقول الناس وربما كان الكابح الوحيد لهم هو ما يكرهونه وهو السلطة… وما نموذج العراق ببعيد… لو كان التكوين المعرفي للنسيج الوطني يقوم على الحب والتعاون والحوار وقبول التنوع لما سالت الدماء حتى أصبح عصر صدام حلماً عند الكثيرين ممن روعتهم هذه الأفكار التي لم يكونوا يعتقدون بوجودها فلم ينج من طائلتها أحد… وكم من هذه الأفكار تعيش في عقولنا اليوم وليس العراق بأمر استثنائي.

9.  المأزق السياسي الذي تمر به الحركات الإسلامية مع حكوماتها، كيف لها الخروج منه؟ هل تستمر في المغالبة وفق سنة التدافع أم تتجه إلى مجالات أخرى تاركة السياسة للحكومات تفعل فيها ما تشاء؟


الحركات الإسلامية تحتاج أن تراجع مكونها الفكري ابتداءً، لتنظر ما فيه من خير فتنميه، وما فيه من قصور فتعالجه… لأن الأعمال والممارسات ما هي إلا أفكار تمت ترجمتها إلى وقائع… وهي مطالبة أن تنظر في خططها وبرامجها وتمد الخط للمستقبل لترى هل ستقود إلى نتائج في صالح الأمة أم لا؟ وهي مطالبة أن تنظر في النتائج المتحققة هل فتحت آفاق الخير أم سدت بعضها؟ وهي مطالبة أن تنظر في المساحات التي تخدمها وترتب أولوياتها وفق إمكاناتها وأن لا تسقط في أحلام اليقظة، وهي مطالبة أن تتعرف على الواقع المحيط محلياً وإقليمياً وعالمياً وأن لا تهمله من حساباتها وأن لا تسقط في خيار الأضداد إما الصدام السياسي وإما ترك السياسة… إما التوافق مع العالم وإما الاحتراب معه… إما التنظيم الشامل وإما الفوضى… إن الحياة ليست من لونين والقرآن يعلمنا أن لكل أمر استثناء ولكل موقف تدرجه… باختصار تحتاج الأمة كلها إلى منظومة ونمطاً من التفكير يجنبها الوقوع في مقولة أشبه بمقولة (إما معي أو ضدي المشهورة).

القادة والمصلحين

10. وما هي أبرز التحديات التي تواجه المصلحين والقادة في هذا الصدد؟

إن أبرز ما يعوق عملية التقدم في المجتمعات الإسلامية، هو جمود عالم الأفكار والانحباس في الماضي واستدعاء إجاباته دون مراعاة بعد الزمان والمكان والظرف والعوائد… وجملة القضايا المطروحة في الإجابة السابقة هي نتاج عالم الأفكار. وهناك إرث تاريخي ثقيل ترزح الأمة تحت وطأته منذ قرون ولم يتم فرز الصالح منه ليقود عملية التقدم وأصبح اجتراره مدعاة لمزيد من التخلف والتراجع، وهناك ظاهرة حزبية مستشرية تعلي من شأن الحزب على مصالح المشروع وتجعل المعيار ليس خدمة المشروع ولكن الانتماء للهياكل والأشكال، ثم سوء الظن المستشري في المجتمعات حول أي جديد ففي المجتمعات الجامدة يكون السؤال الذي يوجه للجديد (لِمَ ؟) وفي المجتمعات الحية يكون السؤال (لم لا؟) وذلك هو التحدي.

رد واحد to “حوار على صحيفة عكاظ”

  1. 3rbsc Says:

    يعطيك العافية

    مدونة 2009
    كل جديد
    http://www.blog.3rblogs.com

    دليل المدونات العربية
    http://www.3rblogs.com
    للمزيد الرجاء زيارة الدليل او المدونة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: