حوار مع د.جاسم سلطان في جريدة الوطن القطرية

أجرى الحوار: حبشي رشدي

****************

هو لا يبحث عن يوتوبيا يرسم لها ملامح بحزمة من ألوان الطيف المبهجة ولكنه ينقل من الطب ـ مهنته التي بدأ بها حياته العملية ـ ادواته المألوفة التي يسبق فيها التشخيص الدقيق العلاج الممكن والتي تتوخى الوقاية استباقا للحاجة الى تذكرة دواء
د. جاسم محمد سلطان والذي اضاف الى المكتبة العربية رهطا من مؤلفات حول مشروعه للنهضة اشبه بطبيب اجتماعي، فيما الحالة السريرية التي يعمل فيها ادواته ومشروعه وتذاكر دوائه ويخضعه للفحص والتشخيص ومن ثم مقترحا بالعلاج هي المجتمع، اي مجتمع عربي
من ذلك كان جزءا من الحوار التالي معه هو مشروعه للنهضة الذي سيتوجه به الى شباب الامة
فيما كان جزء آخر من هذا الحوار مرئياته للنظام التعليمي الراهن في قطر والتحول من نظام تعليمي قديم يتآكل ويقوم على انقاذه نظام المدارس المستقلة والتي يعتبرها قفزة كبيرة لا عودة منها الى المربع الاول ولكنه ــ وهو يؤيد دعم الجديد ــ له ايضا مرئياته والتي يطالب فيها باستنساخ تجربتي مجمعي البيان وعمر بن الخطاب وتحويلهما الى نظام مكتوب ومبرمج وقابل للتطبيق لتعميمه على المدارس المستقلة الاخرى ذلك لان تنويع المدارس المستقلة ـــ كما يقول ـــ ليس اوانه واقتباس انواع من المدارس المستقلة يخلق شتاتا تتعارض مع الهوية
ثم هو ثالثا ساهم في وضع استراتيجيات عدة مؤسسات بالدولة احدها قناة الجزيرة ومؤسسة الطفولة والامومة واستشاراته وضعت هياكل ادارية لمؤسسات اخرى عديدة
د. سلطان هذا الطبيب البشري الذي سبق ان تخصص في معالجة الامراض الصدرية بمؤسسة حمد الطبية يبحث للمجتمع اي مجتمع عن رئة معرفية غير مرهقة بتيارات تصادمت وبعضها قام على انقاض بعض ولكنه بلغة خلدونية يتحدث عن مشروع لنهضة امة يعتبره تذكرة دواء كتب عقاقيرها كطبيب اجتماعي لتبقى اسئلة: من اي صيدلية تصرف هذه العقارات وهل نجح د. جاسم سلطان ان يدلق جرعات علاجاته هذه بملعقة الى عقل يرى معرفته غير مرتبة وليست بالسخاء المنشود، تفاصيل الحوار حول كل هذه المحاور في السطور التالية:ـ

ـ د. جاسم محمد سلطان اسم تردد امامي وقيل لي انه تصدر كتبا الفها وفي مكتبات كثيرين مثلما قيل لي ان اللقاءمعك سيكون زاخرا بأفكار وطروحات وانك صاحب فكر ومنهج وتعكف على مشرع ثقافي كبير ومع ذلك لم اكن اعرفك من قبل وهو ما يجعل طرح سؤال مبدئي وتعريفي ضرورة نستهل بها حوارنا فهل من تعريف بسيط حول نقطة البداية والمسارات؟

بالاصل محدثك طبيب

ـ تركت الطب الى هذا المشروع الثقافي الذي ستحدثني عنه

انني لم اترك الطب ولكني تقاعدت فأنا الآن اقترب من الستين فقد عملت في مستشفى حمد العام وتخصصت في الامراض الصدرية ثم خرجت منها الى الادارة الطبية بالمؤسسة العامة للبترول وعملت فيها لمدة 15 عاما ثم تخصصت في مجال الادارة والاستراتجيات وكنت دائما مهتما بالثقافة والقراءة

ـ أليس لافتا للنظر انك بهذه السيرة وتطرح مشروعا ثقافيا قيل لي انه كبير ومهم ومع ذلك فإنك غائب عن وسائط الاعلام فلا يقرأ لك احد مثلا ولا تتحدث لصحافة لماذا كل هذا الغياب؟

لست بهذه الاهمية الواردة في سؤالك فأنا جزء من منظومة كبيرة جدا في مجتمعاتنا الاسلامية أما عن سبب الغياب فيمكن ان يكون القصور منا، لانني لا اتواصل مع الناس الذين يشتغلون بالاعلام، وربما ان المادة التي نقدمها ليست بذات الاهمية التي سمعت عنها

ـ قيل لي ايضا وقبل ان نلج الى طبيعة ومحتوى مشروعك الثقافي انك مهتم بالنظام التعليمي في قطر ولك آراء فيه فهل تتحدث عن هذه الاهتمامات والآراء اولا؟

في رأيي ان اكبر مشكلة في اي مجتمع هي ان يصاب بالتجمد وعدم المحاولة وبلا شك ان النظام التعليمي في مجتمعاتنا العربية قد تخلف عن دول اخرى

ـ لنتحدث عن نظامنا التعليمي هنا في قطر

شأننا في ذلك شأن معظم الدول العربية بخصوص النظام التعليمي فكان يقال ليس بالامكان احسن من ان نصلح جانبا هنا وجانبا هناك، ولكن في قطر لا احد امتلك الجرأة ان يقول اننا نحتاج ان عمل مغامرة والمغامرة تختلف عن المقامرة فالمغامرة فيها حسابات فبدرجة من الدرجات يمكننا التعديل والتصويب فتمت عمليات ممرحلة وكانت المرحلة الاولى هي المدارس الحكومية ثم مرحلة المدارس العلمية وربما كانت هناك سرعة في التحول نحو المدارس المستقلة فالآن نجد في نظامنا التعليمي الموجود حاليا مجمع البيان وانا ابنائي يدرسون في هذا المجمع وهو من اروع ما يمكن ولكن في مدارس مستقلة اخرى الناس تشتكي، وأنا في رأيي أن لدينا نموذجا جيدا الآن هو مجمعا البيان للبنات، وعمر بن الخطاب للبنين، ويمكن البناء على هذا النموذج في بقية انساق العملية التعليمية
ولكن الخطورة الحقيقية ستكون في التراجع عن الفكرة، والعودة مجددا إلى المربع الأول، ففكرة المدارس المستقلة فكرة متقدمة جدا ومهمة جدا للتعليم في المجتمع، ذلك لأن انساق التعليم القديمة والتي كانت موجودة قبل المدارس المستقلة كانت مريحة للآباء، وهناك كتاب مدرسي يدرسه الابن والابنة وينتهي الموضوع، أما الصعوبات الآن فهي نتيجة الانتقال لنظم حديثة، وتدريس مواد باللغة الانجليزية
وعادة يكون الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى حديثة منطويا على صعوبات، وتحتاج هذه الصعوبات إلى دعم مستمر، حتى تصل التجربة إلى أهدافها، فمن الخطورة أن يكون فعلنا مثل البندول أي نتحرك من اتجاه إلى اتجاه نقيض ثم نعود مجددا إلى الموضع الأول للحركة فهذا غير صحيح فقد بدأنا تجربة المدارس المستقلة، وعلينا دعمها والاستمرار فيها وليس العودة إلى ما كان من قبل
وأنا من رأيي أن نظامنا التعليمي في مرحلة التحول الى المدارس المستقلة هو تجربة جريئة ومهمة وتحتاج الى تصويب ولا تحتاج الى قتل لهذه التجربة، وأقصد بالتصويب تنمية المسار ودعمه ليحقق أهدافه

ـ إذن فأنت تؤيد الاستمرار في المدارس المستقلة ودعمها حتى تحقق أهدافها؟

طبعا هذا هو الطبيعي والمطلوب وسوف احدثك عن الفلسفة التي تحكم هذا الرأي بنماذج موازية في مجالات اخرى، فمثلا مشروع التنمية في مصر الذي طرحه جمال عبدالناصر في فترته وبخصوص البدء في الصناعات الثقيلة وخوض تجربة التصنيع وتأسيس مشروع نووي صغير، واستقطابه لعدد كبير من العلماء الأجانب الذين عملوا في هذه المشروعات، فهذا المشروع الناصري أصيب بوعكة صحية فتقرر الاجهاز على هذا المشروع وهذا النمط من التفكير اي أن نبدأ مشروعا وعند نشوء صعوبات أو معوقات نرتد عنه، ونعود الى المربع الأول.. إلخ مثل هذا النمط من التفكير يقضي على امكانية تطوير الحياة
وبالمثل فقد غادر مجتمعنا نظام التعليم القديم لأنه ما كان يلبي احتياجات العصر أو متطلبات المجتمع، وبالتالي نشأت نظرية تقول ان ذاك النظام يحتاج إلى تغيير، والآن النظام الحالي قد لا يكون مرضيا للكثير من الآباء، لأنه أحدث قفزة كبيرة ولكن طالما اننا قفزنا هذه القفزة فالأفضل لنا أن ندعم النظام الحالي ونطوره، ونعالجه، ونعالج الاختلالات الموجودة فيه، لا أن نعود إلى المربع الأول بأي حال من الاحوال فالارتداد عن التجربة غير مطلوب ونمط تفكير خاطئ

ـ كنت طبيبا بشريا، ما هو سر تحولك إلى ما يشبه الطب الاجتماعي والتركيز على مشروع ثقافي تسميه مشروع النهضة؟

واقع الامر ان هذا التحول قديم، ويرجع منذ ان كنت طالبا في كلية الطب، فقد كنت أعمل بقلبين أحدهما للطب والآخر للثقافة وعلوم الاجتماع، فقد كنت أدرس الطب ولكن كان اهتمامي كبيرا بالعلوم الانسانية والأدب، وربما ان هذه الاهتمامات الانسانية كانت اكبر من اهتمامي بالطب، وقد استنفد الطب اغراضه في حياتي العملية، ومن ثم جاءت الفرصة لتفعيل اهتماماتي الحقيقية، اي الانتقال من معالجة المرضى كطبيب إلى معالجة الاصحاء من خلال علم الإدارة واستفدت من خبرتي الطبية في الادارة الطبية

ـ إذن كانت هناك مرحلة معينة فيها جانب عملي في الادارة الطبية؟

ركزت بالفعل في هذا الجانب على مسار واحد وهو التخطيط الاستراتيجي ومن ثم كان هناك اطلاع مكثف على الادارة ودورات تدريبية وقراءة ومتابعات لهذه الجوانب، ومنذ كنت في المرحلة الابتدائية ثم الاعدادية والثانوية كنت أقرأ الكتب الأدبية بنهم شديد

ـ كل ذلك لم يصاحبه اطلالات صحفية تحمل افكارك إلى جمهور أوسع، فلماذا؟

نشرت لي بعض الدراسات في الصحافة، ولكن ما اكتبه الآن ينشر بالموقع الالكتروني الخاص بمشروع النهضة، انها ايضا صحافة الكترونية يمكن الاطلال منها

ـ وآخر ما كتبته في هذا الموقع؟

آخر ما كتبته كان بعنوان «مآلات الفتنة»ـ

ـ وماذا قصدت بمآلات الفتنة؟

ما يدور بين السنة والشيعة فقد علقت على ذلك بمقال مآلات الفتنة

ـ وماذا هدفت بهذا المقال؟

المقال كان محاولة لإيجاد رؤية أوضح للحل، فأمام مثل هذه الاشكالية اما الاستسلام أو الصراع، او ايجاد رؤية اخرى افضل، ذلك لأن المجتمعات الاخرى تخطت مثل هذه العقبات بطريقتين أولاهما ان يصل الأمر إلى الاقتتال، وتجهد نفسها في ذلك وتعود مرة اخرى إلى الحوار، أو انها تأخذ عبرة مما يحدث في العالم وتبدأ بالحوار لينتهي الموضوع، وتعيد ترتيب الأوراق، ونحن كافة أمام الخيارين فأي منهما سنختار

ـ انني امام طبيب ترك الطب الى الادارة، وأسس مركز تدريب، ومؤسسة تقدم استشارات ولديه مشروع ثقافي كبير، فلمن تتوجه بهذا المشروع؟

بدأنا في اصدار كتبنا منذ عام 2004، والآن نحن نصدر الطبعة الرابعة من هذه الكتب، وبالتالي فتوزيع هذه الكتب كبير جدا، وعدد الذين يحصلون على تدريب في مؤسستنا كبير جدا، ومعظمهم من قطاعات شبابية، وهم من كل الدول العربية والإسلامية والافريقية ونركز في هذا التدريب على مشروعنا الثقافي، والذي يقوم على أربعة محاور، فندرب في مجال التفكير أو مجال العلوم الانسانية فلدينا حزمة مكونة من 20 يوما تدريبيا 5 أيام للعلوم الانسانية وخمسة أيام للعلوم الدينية و5 أيام لعلوم الادارة

ـ ومن هم جمهورك التدريبي الذي يطلب التدريب في هذه المجالات؟

اغلبهم من المهتمين بفكرة النهضة ووصلوا الى استجابات لما يحيط بهم من اسئلة واجابات ووجدوا ان مبتغاهم فيما نطرحه فبدأوا يتواصلون وعندنا موقع يعرف بمشروعنا الثقافي للنهضة كاملا

ـ هل من بين جمهور المتدربين موظفو او منتسبو مؤسسات رسمية هنا في قطر؟

طالما اقتنعت اي مؤسسة بما نقدمه من تدريب فنحن نرحب بها

ـ وهل حدث ذلك بالفعل؟

طبعا فمثلا في مجال التجارة او المجال العملي معظم الخطط الاستراتيجية للمؤسسات الموجودة كان مكتبنا مشاركا في وضعها

ـ مثل ماذا ومن؟

مثلا وضع الاستراتيجية العامة لصحة المرأة والاستراتيجية العامة لمركز الامومة والطفولة والاستراتيجية العامة لمركز الاستشارات العائلية كما ان قناة الجزيرة حينما بدأت شاركنا في وضع استراتيجيتها

ـ مكتبكم شارك في وضع استراتيجية عامة للجزيرة؟

نعم فأول استراتيجية كاملة لقناة الجزيرة وضعت كانت حينما تولى السيد وضاح خنفر هذه القناة ومكتبنا هو الذي شارك في وضع هذه الاستراتيجية وبالنسبة للتدريب الاداري فاذا جاءت مؤسسة وطلبت تدريب موظفيها في موضوع التفكير الاستراتيجي فاننا نقدم هذه الدورات وقد اشتغلنا بالفعل مع المركز العربي للتدريب التربوي في ذلك وكل هذه الدورات هي مصدر دخل مكتبنا ولكنها ليست اهتمامي الاساسي بل يتركز اهتمامي على مشروعنا الثقافي للنهضة فلابد ان ينمي الانسان عقله قبل ان يحصل على الادوات التي تدير المكون المعرفي والذين يهتمون بهذا الجانب هم اناس مميزون مخصوصون نحن نتوقع ان الذين يقودون قاطرة اي مجتمع يكونون من بين هؤلاء وعادة المبدعون والموهوبون نسبتهم قليلة جدا في اي مجتمع من المجتمعات فاذا نظرت الى الهند او الصين او الولايات المتحدة او اي مجتمع من المجتمعات ستجد ان ما نسبته 2 الى 3 في المائة هم فقط المؤهلون لقيادة قاطرة المجتمع ومثل هؤلاء الناس يكون اهتماهم بعقولهم اكثر من اهتمامهم بأدوات الاداء وهؤلاء الناس هم من نسعد ان نجدهم ونحن لدينا الآن اكثر من 15 مليون شاب عربي ومسلم في المنطقة العربية هم مستقبل الأمة وهم مستقبلنا في الخمسين عاما القادمة وهؤلاء لو استطعنا الوصول اليهم بخريطة معرفية منظمة فسيكون مستقبل العالم العربي والاسلامي جيد اما اذا استمرت هذه الفوضى الموجودة في الافكار الآن فاننا سنعيد انتاج نفس مشاكلنا

ـ تحدثت عن ان المدارس المستقلة تمثل قفزة غير مسبوقة في نظامنا التعليمي وانه يجب دعم المشروع وليس العودة الى المربع الاول فما هي الاختلالات التي تراها في هذا المشروع وتستوجب العلاج؟

لو تصورت مجموعة من الاجراءات لاحداث هذا التصويب فانني اقول ان لدينا تجربة ناجحة الآن في مجمعي البيان وعمربن الخطاب فهما يمثلان بداية معقولة من النجاح فأصلا النظم التعليمية لا يمكن ان تصل الى النجاح بنسبة مائة في المائة فبالضرورة يكون فيها قصور ومن ثم فطالما ان لدينا تجربة ناجحة يمكن ان نعول عليها فانه يمكننا استنساخها في مناطق اخرى وفي بقية المدارس وعلى سبيل الثال في الولايات المتحدة الأميركية سلسلة مطاعم كنتاكي فهذا النظام موجود من الالف الى الياء مكتوب وبالتفصيل وقابل ان يدرب عليه الناس فاذا افترضنا ان وسيطا يريد نقل هذا النظام مثلا الى قطر فيدفع اموالا الى هذه الشركة الوسيط وهي تقوم بعمل كل التفاصيل ونقل التجربة كاملة الى مكان آخر فتدرب الكوادر وتقوم بتشغيل المطعم وكل شيء فيه كما هو في الاصل بالولايات المتحدة وبالمثل يمكن ان ننقل تجربة مجمع البيان وايضا مجمع عمر بن الخطاب وكتابة تفصيلات هاتين التجربتين الناجحتين ونطورها ايضا على ايدي بعض الخبراء بحيث تكون قابلة للاستنساخ في مدارس اخرى فيمكن مثلا في خلال خمس سنوات ان ننقل التجربة بكل ادواتها ومناهجها وتفاصيلها الى عدة مدارس فنزيد عدد المدارس التي حصلت على نظام كامل وناجح بدلا من ان ننشيء كل مدرسة بنظام مختلف عن الاخرى تبدأ من الصفر وتمارس تجربتها ايضا من الصفر.
ولكن ان فكرنا ان هذا الجنين الذي خرج من بطن امه خداجة وانه يجب التخلص منه فانه يحدث مشكلة ومن ثم اقول ان تجربتي مجمع البيان ومجمع عمر بن الخطاب متقدمة وقابلة للتطوير وينبغي استنساخها وبنفس الشجاعة التي بدأنا بها هاتين التجربتين حتى ندفع التعليم في قطر الى مستوى متقدم

ـ اذن انت لا تطالب بتنويع المدارس المستقلة بل استنساخ تجربتي البيان وعمربن الخطاب؟

خطورة قاعدة تنويع المدارس المستقلة يمكننا فهمها من اننا في النهاية نتحدث عن المواطن الصالح وتعريف مصطلح المواطن الصالح مهم جدا فلابد ان نعرف ما هو المواطن الصالح في اي مجتمع من المجتمعات وحينئذ ستجدنا امام اربع افكار أولاها موضوع الهوية فتأتينا مدارس من اليابان واخرى من كوريا وثالثة من دول اخرى إلخ
وحينما يتخرج هؤلاء الطلاب ويشتغلون في مؤسسات الدولة فاننا سندرك ان التعليم ليس نقل معرفة بل هو نقل هوية بالاساس والهوية مشاعر واحاسيس وانتماء فاذا كان المجتمع واحدا وتعددت مدخلاته بهذا الشكل فان امكانية المحافظة على هويته تكون في غاية الصعوبة ولكننا لدينا تجربة وطنية ناجحة تم تنظيمها محليا وانصبغت بهوية المجتمع وفيها احتياجات النهضة الاساسية للمجتمع من خلال التعليم الراقي فلماذا لا نعمم هذه التجربة الوطنية الداخلية بدلا من ان نذهب ونأتي بتعليم مختلط من العالم كله ينشيء لنا شخصيات متفاوتة ومتباينة في مجتمعنا على نحو يظهر الحاجة لاعادة ترتيب وتنظيم هذا التباين لكي يحدث تجانس وأنا في تقديري أن قرار تطوير التعليم في قطر أو مبادرة تطوير التعليم كانت من أروع القرارات ولكن علينا أن نلتفت الى مجهول، أعتبره خطيرا، لم يسبق حدوثه في أى مجتمع من المجتمعات بهذا الشكل، وهو تنويع المدارس المستقلة، فهو قرار يحتاج الى مراجعة

ـ أنت رجل مفكر ومشغول بمشروع للنهضة في أمة تتعثر خطواتها، كيف ترسم مستقبل أبنائك؟

الأبناء في هذا الزمن هم الذين يبحثون عن مستقبلهم مادام تعليمهم جيدا، وإدراكهم لمهاراتهم جيدا فعادة تكون اختياراتهم جيدة، وعندما يتخرجون وتكون لديهم معرفة جيدة باللغة، تكون أيضا اختياراتهم صائبة، ولا يحتاجون وصاية من أحد

ـ ننتقل إلى تفاصيل مشروعك الثقافي الذي تعمل عليه وتدعو إليه وألفت له الكتب، ما هي طبيعة وتفاصيل هذا المشروع؟

المشروع الذي نشتغل فيه له جانبان أحدهما أننا مركز تدريب تنمية بشرية، ولكن داخل هذا المشروع، مشروع ثقافي في جوهره، فكرته الرئيسية قائمة على ان هناك مشكلة في التكوين المعرفي للشاب العربي والمسلم، في العصر الحديث، وهذه المشكلة المعرفية تنعكس على جميع أشكال حياته، فتنعكس على قراراته، وعلى مشاركته في التنمية وفي الحياة .. الخ، وفي سبيل معالجة هذه الفجوة، التي تفتقدها مشكلة قمنا باطلاق المشروع

ـ ما اسم هذا المشروع؟

اسمه مشروع النهضة، وله موقع

ـ ما هي فكرة أو الخلفية التي يستند عليها هذا المشروع؟

فكرة هذا المشروع ان الشاب العربي والمسلم بشكل عام لا يتلقى في النظام التعليمي، دورات التقاط الواقع بشكل جيد، وعندما يتلقى المعرفة الدينية يتلقاها بشكل مشوش من عشرات المصادر فلا تنتظم في عقله، فلا هو قابل للدين بشكل منظم، ولا هو قابل للواقع ويلتقطه بشكل منظم، وبالتالي عندما يتخذ قراراته بشأن هذا الواقع تصبح المشاكل كثيرة جدا، وتخرج عن المسارات وتأخذ شكل الارهاب، أو الاقتتال الداخلي، وتهديد النسيج الوطني في أي مجتمع من المجتمعات، لأن الأفكار غير متجانسة، ويخبط بعضهما بعضا

ـ بمعنى؟

انه يتلقى فكرة طيبة من هنا، ويتلقى عشر أفكار أخرى في اتجاه آخر
وللأسف الشديد، سواء أكنا نتكلم عن التعليم، أو عن المساجد أو الكنائس .. الخ، فالشاب العربي يتلقى كماً من الشحن في الاتجاه الخطأ بشكل مستمر، وهو لا يمتلك أدوات فرز، لهذه المعلومات التي يتحصل عليها، فيتحول أداؤه إما سلبيا أو يهدم فيه المجتمع الذي يعيش فيه معتقدا انه يحسن صنعا، وانه يؤدي عملا جيدا، وأحيانا يؤدي ذلك بحماسة شديدة جدا، بدرجة يحسده عليها الآخرون
والمجتمعات العربية والإسلامية مرت بعدد من المراحل، المرحلة الأولى ترجع الى حملة نابليون بونابرت، وقيل ان العالم الإسلامي لم يعد متقدما، بل أصبح متخلفا عن الغرب ثم جاءت مرحلة الصحوة، وفيها حماس شديد جدا، وفي هذه المرحلة انطلق الاسلاميون بمشاريعهم، والقوميون بمشاريعهم والشيوعيون أيضا بمشاريعهم. وكل فريق من هؤلاء مارس تجربته في الأمة
ولكننا الآن في حوصلة هذا النشاط المهم سواء كان عن طريق الدول القومية او الوطنية .. الخ وعبر نشاط الاسلاميين من أفغانستان الى الجزائر وصلنا الى نتيجة مفادها اننا لم نتحرك كثيرا، وهذا يطرح سؤالا: أين تكملن المشكلة؟
هل هي في الواقع الصعب الذي عالجته هذه الاتجاهات أم لاختلالات معرفية في العقل الذي يتخذ قراراته في هذا الواقع المعقد

ـ من يجيب عن هذين السؤالين؟

المشروع الذي نعمل فيه منذ نحو 34 عاما، فقمنا بحصر وتقسيم الأفكار المطروحة سواء من قبل التيارات القومية، او اليسارية او الاسلامية، فوجدنا اختلالات ليست كثيرة، وإذا استمرت هذه الاختلالات فانها ستعيد انتاج الاشكاليات ولكن بصور أشد دمارا، لأن العقل لم يعد يتحمل وفي المرحلة الأخيرة من العقد الفائت انتشرت فكرة التنمية البشرية، وانطلقت فكرة ان الناس تحتاج الى مهارات، فهذا يركز على التخطيط الاستراتيجي، وذاك يقول سندربك على ان تضع خطة، وهذا يقول لك سندربك على كيف تقف وتتحدث أمام الناس، أي انهم يتكلمون عن أدوات ولكن لم يتم الحديث عن المحتوى المعرفي للعقل الذي سوف يستخدم هذه الأدوات ولهذا فنحن ــ في مشروعنا ــ بصدد معرفة المحتوى الفكري للشاب العربي والمسلم، وأنا أتحدث عن الشاب العربي والمسلم، باعتبار ان نسيج هذه المجتمعات ليس إسلاميا بحتا، ففيها خليط من البشر، تآلفوا عبر قرون طويلة على العيش المشترك، ولكنهم الآن مهددون بأن يتحولوا الى أشلاء نتيجة عدم إدارة التناقضات الموجودة، وعدم اتخاذ قرارات مضبوطة في بنية هذه المجتمعات التي نتحدث عنها، فهناك مجتمعات لا تجد فيها تناقضات كبيرة، ولكن هناك مجتمعات أخرى مهددة تهديدا رهيبا في نسيجها الوطني أو الاجتماعي أو السياسي، والمشكلة الرئيسية تكمن في إدارة الواقع المعرفي وليس في مهارات استخدام الأدوات

ـ وما هي مرتكزات مشروعكم للنهضة الذي تتصدون له وتتحدث عنه؟

في مشروع النهضة نتحدث عن ثلاث مشاكل كبيرة جدا وأساسية ثم تأتي مشكلة الأدوات كمكون رابع.. فإذا كان للطاولة اربعة قوائم فإن ثلاث ارجل منها تمثل الحد الأدنى الذي تقف عليه الطاولة، فلثباتها على الارض تحتاج الى القائمة أو الرجل الرابعة، ان صح التعبير

ـ وما هو الجزء الأول من القوائم الثلاثة أو الأربعة التي يستند اليها مشروع النهضة؟

الجزء الأول ان يحسن الإنسان استخدام المنطق العقلي أو كيف يستطيع ان ينظم خارطته المعرفية، أو كيف يستطيع حينما تصله المعلومات أن يضعها في إطارها الصحيح، لأنه اذا كانت الخارطة المعرفية منظمة تحدث مشكلة كبيرة جدا، فنضع أحمد مكان علي، وجورج مكان سعيد، ومها مكان منى، وتصبح المسألة خلطا كبيرا.. فهذا هو الجزء الأول، أو القائم الأول لمشروعنا، وهو الحاجة الى تنظيم معرفي

ـ والجزء الثاني أو القائم الآخر لهذا المشروع؟

ان الإنسان يتلقى الواقع الذي يعيشه من الصحافة، أو التليفزيون.. إلخ، ويتلقاه في أوعية غير صالحة للاستقبال. فهو تأتيه معلومات عن السياسة وأخرى عن الاقتصاد وثالثة عن الاجتماع.. الخ. فهل يستطيع ان يوفر له اطارا معرفيا مبسطا يسمح له باستقبال هذه المعلومات والتفاعل معها بطريقة صحيحة، أو انه يستوعب هذه المعلومات في أطر هو عملها ايا كانت صلاحية هذه الأطر، أو انه في احيان أخري يلغيها لأنها غير صالحة، لأن الصفحة الأولى من الجريدة التي يقرأها فيها سياسة لا يريدها، وفي الصفحة الثانية اقتصاد وهو لا يريده، وفي الصفحة الثالثة اجتماع ايضا لا يريده، ثم يصل الى الرياضة، وبعد ذلك الى آخر شيء، النكتة بالصفحة الأخيرة بالجريدة ليرسلها «مسج» الى صديقه أو اصدقائه. وهذا التكوين المعرفي للأسف الشديد ليس فقط على مستوى الشباب، ولكنه يطال مستويات أخرى في الإدارة في الوطن العربي بشكل عام، فيكون هناك تسطيح مخل بالمعرفة وللأسف انهم الناس الذين يتخذون قرارات في حياتنا، فهل يمكن انقاذ الشباب العربي والمسلم المعاصر واعطاؤه هذه الأدوات بشكل بسيط وسلس، وفي مدة محدودة من الزمن، وبالتالي يحسن التعاطي مع هذه المعلومات فهذا هو القائم الثاني لمشروع النهضة

ـ والمسألة الثالثة في هذا المشروع.. ماذا تكون؟

انها الدين، فنحن اليوم مجتمعات ليس بالضرورة تنتهي الى قال الله عز وجل، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجوز، وهذا لا يجوز، وهذا حلال ، وذاك حرام، فأي مشكلة لدينا تنتهي الى هذه السياقة ومن هنا، هل نستطيع ترتيب الخريطة المعرفية للشباب بحيث يستطيع ان يستخدم هذه الإدارة الخطيرة وهي الدين، بحيث ما تصبح أداة ضارة، ولتكون رافعة للحياة والمجتمع والفعل الإنساني في المجتمعات التي نعيش فيها
ولهذا فنحن في عملنا الأساسي قمنا بتبسيط هذه المعارف وعملها في شكل دورات

ـدورات تدريبية؟

نعم، ونعطي هذه الدورات مجانا، فهي ليست بغرض تجاري ولا بهدف مادي، بل نقدمها مجانا للراغبين ومعها حزمة أدوات ادارية أي لإدارة الواقع. ففي الأول على الإنسان ان يحتوي هذا الواقع ثم بعد ذلك يديره باستخدام أدوات إدارية، أما اذا اعطيناه الأدوات دون اعطائه المحتوى ذاته فإنه يكون مشلولا

ـ وكل ذلك من خلال مركزكم هذا؟

نحن الآن نتحدث عن بيت الخبرة للتدريب، والذي تحول اسمه الآن الى «تنمية».. وفي سبيل هذا الحلم الموجود وهو حلم كبير جدا نزعم انه مساهمة وليس حلا، ومساهمة وسط بحر كبير جدا من مساهمات في العالم تسعى لتطوير الإنسانية، اقول في سبيل ذلك طرحنا كتبا في السوق، ونأمل ان يصل عددها 20 كتابا فطرحنا كتابا بعنوان «من الصحوة الى اليقظة- استراتيجية الادراك للحراك». وهو يتعرض لما طرح في الفترة الأولي حول الصحوة القومية والاسلامية، ونطلق عليها مرحلة الصحوة وفيها حماس كبير جدا، لم يصاحبه أو يوازيه رشد بالدرجة الكافية لتمويل هذا الحماس الى مخرجات يبني عليها، ونأمل ان يدخل المجتمع في مرحلة اليقظة فيصبح مدركا لما حوله ويتخذ قراراته على بينة، أي انه كتاب يتركز على عالم المشاريع المطروحة والمشاريع الأخري المحتمل طرحها وعالم الافكار.. الخ

ـ هذا كان اول كتبكم.. فماذا عن كتب أخرى؟

طرحنا كتابا ثانيا بعنوان «قوانين النهضة»، وهو محاولة لاستشراف العلوم الإنسانية في الاجابة على سؤال ما هي القوانين الفاعلة في نهضة الأمم، واخترنا منها القوانين الأساسية الكبرى ووضعناها في كتاب مبسط للقراء
كما اصدرنا الكتاب الثالث بعنوان: «فلسفة التاريخ» وفكرته الأساسية ان هناك كتّابا كبارا كتبوا عن فكرة النهضة، هيجلز، وماركس، ارنولد تومبي، مالك بن بني عماد الدين خليل، الخ، وسمي ما شئت من كتاب كتبوا في فكرة النهضة فاخترنا من افكارهم الافكار العالمية التي يحتاجها الشاب المسلم ويحصل عليها بشكل بسيط وعن طريق نماذج يستوعبها تنظيم خريطته المعرفية، وكيف يستفيد من التاريخ في مشروع النهضة القادمة
والكتاب الرابع كان عن الذاكرة التاريخية، ففي مجتمعاتنا نقول نحن احسن الناس، ونحن الذين عملنا العلوم، ونحن الذين طورنا العالم، فكلمة «نحن» متفخمة جدا، ومن ثم كيف نجد الحقيقة في هذه الـ «نحن». فإذا كنا ممتازين فمتى بدأ التخلف ولماذا؟ ومن ثم اصدرنا كتاب «الذاكرة التاريخية» فهو ينظم الخارطة المعرفية للشاب ليشرح متى بدأ التراجع ولماذا؟
ثم اصدرنا كتابا آخر اسمه «التفكير الاستراتيجي» وكان هذا الكتاب ردا على موضوع التخطيط الاستراتيجي

ـ وكيف كان موضوع الكتاب ردا على موضوع آخر؟

التفكير الاستراتيجي يسبق التخطيط الاستراتيجي، ثم اصدرنا مؤخرا كتابا آخر بعنوان «فن الممارسة السياسية» حول الممارسة السياسية العملية وهو كتاب مبسط جدا، ذلك لأن الشاب العربي والمسلم اليوم تحيط به السياسة من كل جانب، فيفتح التليفزيون والصحيفة، أو يذهب الى المسجد فلا يجد الناس الا وهم يتحدثون في السياسة، واذا احب الشاب ان يبحث في السياسة سيذهب الى المكتبة ليجد كتبا عديدة تتحدث عن السياسة وتعريفها، والسياسة عند اليونان، والسياسة عند الرومان، والسياسة في العصور الوسيطة.. ولهذا سعينا الى تقديم السياسة له بشكل قواعد مبسطة، وهو ما عملناه وقدمناه في هذا الكتاب الأخير، فنحن في المشروع الثقافي الذي نشتغل عليه فإننا نعمل في مساحتين، المساحة الأولى هي التدريب على فكر النهضة وتقديم المادة المعرفية للراغبين، فما عليهم الا ان ينتظموا ونحن نقدم لهم الدورة مجانا، وكتبنا موجودة في السوق لمن أراد ان يعرف ويقرأ فكر النهضة

ـ ألا ترى ان هذه المساحة الأولى التي تعملون فيها مكلفة وبالتالي فلابد لها من مصدر تمويل يغطي تكاليف المجانية التي تقدمها في دورات تدريبية؟

قلت اننا نعمل في مساحتين تحدثت عن المساحة الأولى وهي التدريب على فكر النهضة وهي مجانية كما ذكرت، اما المساحة الثانية فهي مساحة تجارية لأننا نشتغل في الاستشارت الإدارية.. ومن ثم فالتمويل الاساسي يأتي من تقديم الاستشارات الإدارية

ـ وما هي طبيعة هذه الاستشارات الإدارية التي تقدمونها؟

مثلا شركات ومؤسسات تريد إعادة هيكلة تنظيمها أو هيكلها الإداري، فإننا نقدم لها استشاراتنا، أو لتطوير برامج هذه الشركات وعمل خطط استراتيجية فهذه المساحة من عملنا، تجارية أما المشروع الثقافي فهو مجاني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: