مقابلة صحفية لعبدالله الرشيد

أجرى الحوار : عبد الله الرشيد
الدوحة : 12/03/2007
***************************

هو من أبرز رموز (الحالة الإسلامية في قطر) الذين بادروا إلى حل تنظيم الإخوان المسلمين هناك، وواحد من “القطريين النابهين” كما يصفهم بذلك الدكتور النفيسي
بهدوئه الأخاذ، واسترساله المنطقي في حديثه كفنان تشكيلي يهتم بأدق التفاصيل حتى تظهر لوحته في أبهى صورة، يأخذك الدكتور جاسم السلطان إلى آفاق بعيدة تجبرك على أن ترمي بتساؤلاتك جانباً وتذعن مستمعاً بكل حواسك
حين التقيته في الدوحة، قال لي: ” نحن لدينا من ينفخ في النار لكن لا يوجد عندنا من يطفئها”.يؤكد كثيراً على ضرورة المراجعة، والنقد الذاتي، وتفجير الأسئلة من جديد، ومن أجل ذلك قدم (مشروع النهضة ـ سلسلة أدوات القادة) في خمسة كتب موشحة بالسواد، ربما لأن الوصول إلى حالة النهضة يحتاج لمزيد من الجهد والعناء، أو ربما لأننا بعيدون جداً عن النهضة
ملفات “دسمة” نفتحها مع الدكتور جاسم سلطان حول (دعوة النفيسي إلى حل جماعة الإخوان المسلمين)، و (الصحوة الإسلامية من اليقظة إلى النهضة)، و (التنظيمات الإسلامية وفاعلية القوالب التقليدية)، و (أدوات التحول النهضوي) وغيرها

فإلى تفاصيل الحوار
النفيسي .. وحلُّ جماعة الإخوان المسلمين
التنظيمات الإسلامية ودرس التاريخ
أزمة العقل الديني البسيط
في نقد خطاب التزكية الإيماني
نحو النهضة

النفيسي .. وحلُّ جماعة الإخوان المسلمين

ـ طرح الدكتور عبد الله النفيسي مقالاً بعنوان (الحالة الإسلامية في قطر) أثار الجدل داخل الحركة الإسلامية، حيث دعا فيه إلى حل جماعة الإخوان المسلمين، مشيداً بالحالة القطرية التي بادرت إلى حل التنظيم.. هل لكم من تعليق على مقال النفيسي؟

الدكتور عبد الله طرح موضوعاً قابلاً للحوار والنقاش.. والعالم لا يتغير بمقال.. ولكن بالحوار والنقاش تتجادل العقول للوصول إلى ما هو معقول… وبين (لا) المطلقة و(نعم) المطلقة توجد مساحة واسعة لإعمال العقل والبحث عن بدائل.. ليست المسألة في موضوع وجود تنظيم من عدمه بل الموضوع الرئيس هو في جدوى فعل معين ومدى قابليته لتحقيق ما يعد به… والعمل العلمي الجاد الذي لا يستبق النتائج هو أفضل سبيل لتناول الموضوع من وجهة نظري… وأخيراً إذا لم نستمع إلاّ لما يوافقنا وما نحن مقتنعون به، فمن أين يأتي التطور، وتقوية ما هو قائم، وبناء ما يستحق البناء، وهدم ما يستحق الهدم؟!ـ

التنظيمات الإسلامية ودرس التاريخ

ـ لكن يبدو أن لديكم ملاحظات على فكرة (التنظيمات الإسلامية) ومدى فعاليتها في ظل استمرارها على هذه القوالب التقليدية؟

الحالة الإسلامية أطلقت مشروعها وفي ذهنها مسلمات معينة، سقطت الخلافة الإسلامية ولم تعد الدولة الإسلامية موجودة، وبالتالي كان عليها أن تعيد إنشاء البناء المصغر للخلافة في بنيتها وتشكيلاتها، ولأن الإسلام نظام شامل فبدأت تنشئ المنظمات الشاملة التي ستقوم بهذا الدور الذي افتقدناه في الخلافة الإسلامية، وهذا المنطق كان مقبولاً في حينها؛ لأن مسلمته الثانية أن هناك فراغاً أو إمكانية إحداث فراغ حتى يحتله هذا المشروع الإسلامي، ثم يبسط أجنحته على الحياة، فتعود الدولة الإسلامية ابتداءً، ثم دولة توحيد الخلافة بشكل لاحق، هذه الأفكار الابتدائية في حقيقة الوضع اصطدمت بأن الواقع ليس فيه فراغ، لا على المستوى المحلي، ولا على المستوى الإقليمي، ولا على المستوى العالمي، فهناك دولة مركزية، وأينما وُجدت الدولة المركزية ستصطدم بهذه البنى الموجودة، وهذا الذي حدث، إن هذه البنى بتشكيلاتها التي أنشأتها وبأدبياتها التي أنشأتها لإسعاف هذه المنظومة اصطدمت بواقع صلب جعلتها تدفع تكاليف ضخمة جداً، فتم استنزافها في هذا الصراع، وبعد ذلك تم تفريغ طاقاتها في مساحات مثل أفغانستان وغيره، ثم دُفعت في مساحات العنف حتى تستهلك بقية طاقاتها، ثم على مساحة الأرض التي تعمل فيها أصبحت محاصرة حصاراً شديداً، هذا النوع من التفكير يحتاج إلى مراجعة المسلمات التي انطلق منها هذا المشروع. لما انتقل المشروع إلى مناطق العالم الإسلامي انتقلت معه هذه المسلمات والأشكال التي أوجدتها هذه المسلمات؛ فهذه المسلمات إذا لم تكن صلبة بما يكفي وتتم مراجعتها ستنتج لنا نفس المشاكل التي أنتجتها في الفترات السابقة
كل ما أدعو إليه أن نراجع هل هذه المسلمات صحيحة أم لا، فالجزء الصحيح يثبت والجزء الخطأ يُزال. المساحات التي يجب العمل فيها يجب التركيز عليها؛ فاليوم هناك خبرة عملية، فلو كنت موجوداً أيام الشيخ حسن البنا لقلت إن هذا حل محتمل لكن بعد مرور ثمانين سنة على المشروع أليس من العقل أن نعمل مراجعات حقيقية في هذه الأفكار، والتي أصبحت وكأنها جزء من الدين؟ أن يصبح هذا التصور للحل أزليا وكأنه وحي مقدس، أعتقد أن هذا القول لم يفكر فيه حتى صاحب الفكرة الأساسية، وإنما هو مما أسبغه الأتباع على هذه المنظومات الفكرية، وهذه المراجعات يجب ألاّ تشمل فقط الأفكار؛ لأن الأفكار بُني عليها عمل مؤسسات التنظيمات وأشكال واستجابات للواقع الخارجي، فالفكرة وإنتاجاتها كلها تحتاج إلى مراجعات
أنا شخصياً لا أؤمن أن هناك حلاً واحداً نموذجياً. هناك حلول قابلة للتجريب، فقد ننتج حلاً الآن محتملاً يبدو منطقياً، فإذا لم يعمل وجب على من بعدنا أن يراجعه، فيلغيه تماماً أو يعدله، سيكون هذا خياره، فكلها حلول بشرية لمحاولة إيجاد الوسيلة الذهبية للتعاطي مع الواقع، ولأنها جهد إنساني فهي قابلة للنظر مرة أخرى، حتى لو حاول أن يستند إلى نصوص شرعية، فالقرآن “حمّال أوجه”، ومن باب أولى السنة كذلك، فكل شخص يستطيع دعم ما يذهب إليه بمجموعة آيات ومجموعة أحاديث ومجموعة تفسيرات ومجموعة تأويلات، والكل يدعي وصلاً بليلى؛ فاليوم لا توجد مجموعة إسلامية سواءً كانت حكومات أو كانت من أفراد أو كانت تنظيمات إلاّ ولها استنادات شرعية
نحن بحاجة إلى مراجعة في عالم الأفكار، لقد أوجدنا عالم أفكار للمجتمعات الإسلامية، وعالم الأفكار هذا قد يقود إلى خير أو شر، كذلك نحتاج إلى مراجعة عالم العلاقات، مساحة العلاقات التي أنشأناها على مستوى الخطاب وعلى مستوى الاتصال تحتاج إلى مراجعة، هل ستقودنا هذه الاتصالات والعلاقات إلى خير أم سوف تؤدي بنا إلى كوارث؟ وأنا لا أتكلم هنا كأفراد، وإنما أعني المشروع الإسلامي؛ لأنه هو الجوهر، هناك مساحة الأشياء، والمشاريع تحتاج إلى مراجعة، عندنا قائمة طويلة من المشاريع تُنفق فيها أحياناً مئات الملايين. أين منها الضروري؟ وأين منها الحاجي؟ وأين منها التحسيني؟
فهذه المراجعات الشاملة على مستوى الأفكار، وعلى مستوى العلاقات، وعلى مستوى المشاريع والإنجازات أصبح جوهر ما يجب عمله خلال مرحلة اليقظة إذا أردنا أن نعبر إلى عالم جديد
في المحصلة النهائية الإجابات التي سبقت أدت ما عليها، أنتجت لنا ما أنتجته، وإعادة تكرارها خلال العقدين القادمين أعتقد أنه جريمة في حقنا وحق الإسلام نفسه كمشروع، وكدين، وكرحمة للعالمين

أزمة العقل الديني البسيط

ـ قدم الدكتور جاسم سلطان خمسة كتب في رسم (مشروع النهضة)، ماهو الدافع وراء توجهكم نحو قضية النهضة والتأكيد عليها حتى تتحول لديك إلى مشروع؟

المرء في صحبته للحالة الإسلامية في تشكلاتها خلال ما يقرب من الثلاثين سنة الماضية من العمر شهد مراحل فيها آمال عريضة تبدو الدنيا تفتح أحضانها للإسلام، وشهد انتكاسات أيضاً تبدو أن الدنيا قد أوصدت كل أبوابها أمام الاستجابة لمنهج السماء، وبين هذه وتلك كانت تمر كل أنواع التقلبات النفسية
في المراجعات التي بين الإنسان و نفسه يقول: نحن لا نستطيع أن نصلح العالم الخارجي إذا لم نستطع أن نصلح العالم الداخلي، عالم أفكارنا، عالم مشاعرنا، وأول علامات الصحة (المراجعات): نحن أين أخطأنا؟ وأين أصبنا؟ هل هناك احتمال في العقد القادم أن نعيد إنتاج نفس الإشكاليات ونفس الظواهر لأن تركيبتنا النفسية والعقلية تحتوي على نفس المعطيات وبالتالي استجاباتنا ستكون من نفس النوع، أو نستطيع أن نشكل المستقبل بقدر ما من خلال قول الرسول عليه الصلاة والسلام “اعقلها” فننجز مشروع اعقلها، ثم نتوكل على الله سبحانه وتعالى في محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه حسب الجهد البشري للإبداع؟
في هذه المراجعات يكتشف المرء أن هناك اختلالات ضخمة في عقلية صانع القرار على المستويات المختلفة في الحالة الإسلامية، وعندما أتكلم عن الحالة الإسلامية لا أتكلم عن الحالة الإسلامية بالمعنى المتعارف عليه “حركات وتنظيمات وتيارات ومستقلين”، أتكلم عن مجمل الأمة، فيشمل حديثي قياداتها السياسية، قياداتها الاجتماعية، كل الناس الفاعلين في أمة محمد، فإذا نظرنا إلى بنية الإسلام فسنجد أن أساس الإسلام هو العقيدة والتوحيد، ثم المفردات المتصلة بموضوع العقيدة، و بعد ذلك تأتي طبقة أخرى من العبادات التي تسند العقائد، وتعبر عنها وتسند البنيان الفوقي، وسنجد عندنا مساحة من الأخلاقيات التي يدعو لها الإسلام، وتشكل طبقة ثالثة فوقها، ثم يأتي بعد ذلك البناء الخارجي الذي يحوي السياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام والتعليم والصحة والقانون ونظام الدفاع عن الدولة ونظام حماية الدولة من الداخل، نظام دفع المظالم عن المجتمع، مجموعة النظم الكاملة التي تشكل الحياة الخارجية
إذا أخذنا ثقافة الشاب المسلم خلال الحقبة الماضية، أتكلم عن الثقافة الصلبة وليس عن الثقافة السطحية التي هي مجرد إدراك للأشياء، أتكلم عن العلم بالأشياء بقدر يسمح باتخاذ أحكام في المساحات المختلفة.. سنجد أن حجم التركيز في مكتبة الشاب المسلم بشكل عام كان على العقائد وعلى العبادات وعلى الأخلاق، بينما إذا دخلنا إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والقانون والدفاع فسنجد المكتبة تكاد تكون خواء، وحتى عندما نلامس هذه المساحات نلامسها بمقاربات تاريخية من عصور لا علاقة لها بهذا العصر والتطورات التي حدثت فيه
أما تكوين صاحب القرار في الحالة الإسلامية بشكل عام فهو يكاد يكون شبه خلو من هذه المساحات التي تصنع الحياة الخارجية، وهذا أنتج لنا مساحة ضخمة من الوعي بالدين والوعي بالهوية، انعكست في العمرة والحج والعبادات وحفر الآبار وبناء المساجد والحماس للدين، لكن لم تنتج لنا رشداً في اتخاذ القرار لتحريك الحياة في اتجاه الدين؛ لأن أدوات تحريك الحياة موجودة في السقف الأعلى الذي تحدثنا عنه وليس في الطبقات الثلاث، فالطبقات الثلاث تأسيس، لكن تحريك الحياة يحتاج من يعلم بشؤون الحياة، والعلم بشؤون الحياة يقتضي امتلاك أدوات هذا العصر، يطمح المسلمون أن تتحول هذه الصحوة إلى نهضة، ونحن نعتقد أن هناك فجوة في المنتصف لابد من عبورها وهي استكمال أدوات الحكم على الواقع، بحيث إن صانع القرار الذي سيتخذ حكماً في قضايا الحياة يكون ملماً بشؤون الحياة؛ فالشخص الذي لا يكون لديه إلمام حقيقي بالسياسة والاقتصاد والاجتماع وحركة التدافع بين البشر فهو خارج إطار العصر ومقارباته، كمن يتحدث في الدين وليس له علم بأصول الفقه، فيقرأ النص ثم يفتي به، ويقول لك إنه مثقف ثقافة إسلامية، فهل تكفي الثقافة الإسلامية المجردة للحكم الشرعي وإطلاق الأحكام أم يجب على الإنسان أن يلم بأدوات العلم الشرعي؟ وهذا نفس الشيء في مساحات الحياة، وهي قضايا الحياة والموت في هذه الدنيا، و نحن ندعو (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)، فالآخرة صرفنا عليها جهداً كبيراً جداً، لكن في “الدنيا حسنة” هذه بعيدة جداً عن متناول اليد فيما نراه على الساحة؛ فنحن نريد أن نعبر هذه الفجوة، فجوة اليقظة بمتطلبات الفعل الأساسية لاقتحام الحياة وإجراء تغيرات نافعة

ـ الحركة الإسلامية قد تكون مشغولة عن إعمار الدنيا بالإصلاح الديني، وهذا دورها المناط بها؟

هذه واحدة من إشكاليات الحالة الإسلامية الضخمة، في أحد كتب أدوات القادة التي نعدها، هناك كتاب في مفهوم التزكية والسلوك؛ لأن الإنسان يجد متضادات كثيرة تقوده في اتجاهات مختلفة فهو قد يقرأ حديثاً للرسول عليه الصلاة والسلام بمعنى “من خالط الناس وصبر على أذاهم خير ممن لم يخالط الناس ويصبر على أذاهم”، ثم يقرأ كتاباً في التزكية فيجده يدعو لضرورة العزلة وقلة الخلطة مع الناس؛ لأن الخلطة مع الناس تؤدي إلى العديد من المضار، فأيهما السلوك الذي يجب أن يسلكه الإنسان ويتجه إليه، تأتي المدرسة التوفيقية لتقول هي المساحة بين الاثنتين، وعقل الإنسان البسيط لا يستطيع أن يفهم المساحات المتوسطة، وإنما يفهم الأطراف، وبالتالي نجد عندنا مساحات من الفراغ بين من يتجه إلى الدنيا بالكامل ولا يبالي بالآخرة، ونجد من حرصه على الآخرة يبعده عن الحياة في الدنيا، من الإشكالات الموجودة كثرة المشتبهات في الحياة سواء في الاقتصاد أو في الاجتماع، فكل خير فيه دخن، فأصبح التحذير للمؤمن ألاّ يختلط بالحياة حتى لا يصيبه شيء من الدّخن، وفي نفس الوقت مطلوب منه أن يعمر الحياة بالدين ويقود المجتمعات الإنسانية، فكيف يبتعد عنها ثم يقودها؟! هذه القضية أصبحت إشكالية في العقل المسلم، وبالتالي تحتاج إلى قول شافٍ وبسيط يمكن أن يصل إلى عقول الناس.

في نقد خطاب التزكية الإيماني

ـ هل لديك ملاحظات على خطاب التزكية الإيماني داخل الحركة الإسلامية؟

الخطاب الذي نبثه عبر منبر المسجد خطاب فيه اختلالات كثيرة جداً عندما يخلط الخطيب بين العقيدة والشريعة، ومقررات العقيدة يسحبها على مقررات الشريعة دون أن ينتبه للفارق بين المساحتين، عندما يضرب بالنصوص الفرعية محكمات الدين، في العدل والإحسان وعدم الاعتداء وعدم الظلم، وهو يعتقد أنه محسن، ثم لا يجد من يناقشه بسبب طبيعة الأوضاع التي تحيط عادة بالخطبة المنبرية، فلا يجد من يناقشه أو يسأله عما يقول، عندما لا يُدرس في المدارس الشرعية أن يُحتكم في التفصيلات إلى الكليات الكبرى بحيث تصبح هي الحاكمة؛ فالنصوص تتكلم عن أوضاع مختلفة في مساحة السلم، ومساحة الحرب، ومساحة العدوان، ومساحة السلام. في عقل الإنسان المسلم قد يسحب الآيات المتعلقة بالحرب إلى أوقات السلم، وقد يسحب مقررات العقيدة على مقررات الشريعة، قد يضرب الكليات الكبرى للدين باسم الجزئيات والفرعيات، فعندما يأمر الله سبحانه وتعالى بأن غير المحاربين من أهل الكتاب لهم حرمة في الإسلام عظيمة، ويُسمّون بأهل الذمة، ومعنى أهل الذمة أي أنهم في ذمة الله ورسوله، وبالتالي جار المسجد النصراني يجب ألاّ يستمع إلى من يشتمه في المسجد ويلعنه بالليل والنهار، وإن كان يهودياً يجب ألاّ يستمع إلى أحد يشتم اليهود بالإطلاق؛ لأنهم يهود في ذمة الله ورسوله، وهذا مقرر من مقررات الشريعة الكبرى، لكن في العقيدة هناك مفاصلة، نحن لا نؤمن بما يؤمنون به، ونعتقد أنهم مخطئون فيما يقولون في الله عز وجل، فالعقيدة تقوم على المفاصلة والشريعة تقوم على التعايش، وإذا انتقلنا من قضية أنهم كفروا بمقرراتنا الدينية، وانتقلنا إلى قضية الاعتداء اللفظي عليهم كاللعن والسب – لمجرد أنهم يهود أو نصارى – نكون بذلك ضربنا أساسيات الدين، فرب العزة في محكم تنزيله يقول: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). [سورة الممتحنة: 8]ـ

ـ و “غير المغضوب عليهم ولا الضآلين”؟

هذا مقرر من حقائق الدين، لكنه جاء في العقائد وليس في الشرائع، في الشرائع اليهودي الذي كان يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام لما غاب عنه ذهب الرسول ليتفقده وسأل عنه بلطف. هذا هو البر.
فقضية مقررات العقيدة لا تنسحب على مقررات الشريعة، هذا فضاء وهذا فضاء آخر، حقوق الناس تختلف عن حقوق المحاربين، المحاربون يحتاجون قسوة وقوة وحرباً، وحتى في حالة الحرب فمقررات الشريعة تختلف عن مقررات العقيدة. فالغلظة تضبطها الشريعة، إن الطفل والمرأة غير المحاربين والنساك والعباد نحميهم، نحميهم من الألفاظ ونحميهم من العنف المادي.
عدم التفريق بين المساحتين يجعلنا في إشكالية كبيرة ليس مع الآخرين فقط، لكن مع ديننا نفسه، يصبح الدين نفسه غير قابل للحياة، ويصبح من حق الآخر أن يقول لك: هذا دينك دين عدواني ظالم يساوي بين القاتل وبين الإنسان المسالم. فالإنسان الذي يهديك هدية ليس مثل الإنسان الذي يطلق عليك رصاصة. لا يمكن التعامل معهما سواء
والقرآن يخبرنا بأنهم ليس سواء، وهم على دينهم من أهل الكتاب الذين رفضوا الإسلام، وهذه المقررات الشرعية تضرب بسبب هذه الاختلالات الموجودة في الساحة
قال لي شخص يوماً نحن آمنا أن فضاء العقيدة يختلف عن فضاء الشريعة؛ لأن الشريعة تسمح لنا بالزواج من النصارى ومن اليهود، ويصبحون أجداد أبنائنا، ويصبحون أخوال أولادنا، ويصبحون أمهات أبنائنا، ولا يمكن للشريعة أن تتناقض في حد ذاتها، فزوج يلعن زوجته، ويلعن أجداد أبنائه، ويشتمهم بالليل والنهار، ويخطب منهم ويتزوج!! هذا لا يستقيم، الشرع لا يمكن أن يضرب بعضه بعضاً، فهذا الأخ الكريم قال لي: هناك نصوص تشغب على الموضوع، فقد قال الله سبحانه وتعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ )، فقلت له: لماذا لا تستمر؟! رب العزة يقول عن صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ). [سورة آل عمران: من الآية 152]. هذا تقرير حقائق وليس تقرير حقوق، هناك حقائق على النفس البشرية القرآن يسوقها في معرض التعريف بهذه النفسية، لكن عندما نأتي للشريعة هناك أحكام مختلفة، فعندنا ثلاث مساحات نحتاج إلى أن نميز بينها في الدين؛ مساحة العقيدة، مساحة تقرير الحقائق، ومساحة الشريعة (بمعنى القانون)، إذا خلطنا هذه المساحات ببعض تصبح عندنا خلطة لا أول لها ولا آخر ولا معنى لها

ـ لكن من يحدد الفاصل ما بين مساحة العقيدة ومساحة الشريعة، إذا كانت بعض كتب العقيدة ذاتها مختلطة بمقررات الشريعة؟

أعتقد أن هذا واجب المدارس الشرعية الأساسي قبل تعليم الفرعيات، إذا أردنا بناء بيت نبني الأسس أولاً، ثم نقيم البناء، أما إذا لم تبن الأسس الصلبة في هذه القضايا وفي هذه المساحات والحدود التي تفرق بين هذه القضايا بطريقة علمية ومنهجية، فسيكون البناء هشاً وهذا واقعنا اليوم
لا يُفترض من شخص مثلي أن يعمل تحديداً لفصل هذه المساحات في كل زواياها، لكن الذي يمكن أن نشير إليه أنه من المعروف ديناً أن هناك مساحة اسمها العقيدة ولها مقرراتها، وهناك مساحة اسمها الشريعة، وهناك مساحة اسمها تقرير الحقائق، لأمثلة عليها ظاهرة لا تحتاج إلى كثير عناء
الآن ستبقى عندنا مساحة (النصوص المشاغبة)، كنص “اضطروهم إلى أضيقه”، هذه مسائل سهلة إذا رُدت إلى الكليات، يمكن إعمالها في فضاء ضيق في حالات محدودة، وبالتالي ينتظم عقد الإسلام ولا يصبح شيء لا يمكن فهمه، وعندما نقول إن الإسلام دين السلام، ثم يأتي شخص ويقول: لا سلام مع الكفار، هناك هدنة. ماذا تعني الهدنة؟ الهدنة تعني في جوهرها استعداداً لحرب أخرى إذا كان هذا منطقنا. للطرف الآخر الحق أن يقول لك: لماذا أنا أجعلك تستعد لحرب أخرى؟ أنا لست محتاجاً للهدنة الآن، فعندي اليد العليا وسوف أبيدك، هل من المنطق ومن الصواب أن يكون هذا هو تفسيرنا للدين؟ نطرح في بعض الأحيان أن المسلمين لهم خطاب في حالة الضعف، ولهم خطاب في حال تعادل القوى، ولهم خطاب في حال التفوق، ويطالبون بناء على ذلك أن يُصاغ خطابنا المرحلي بهذا الاعتبار، وليس بناء على قيم العدل ويستبطنون أننا لو قوينا لهاجمنا الآخرين …أين هو المسوّغ القيمي الذي تستوي فيه البشرية ويكون ظاهرها كباطنها..؟! هل الدين هو عبارة عن احتيال على البشرية؟ و كأن المسلمين لا ذمة لهم ولا عهد، وهم يتربصون بالإنسانية الدوائر، فكل عهد يبرمونه مع الإنسانية هو عهد مؤقت حتى يستطيعوا أن يتقووا وينقضوا هذا العهد
وبهذا الخطاب وأشباهه نحن إما أن نضرب مقررات الدين، وإما أن نضرب المسوّغ الأخلاقي. يجب أن نقيم اتساقاً مع الواقع الخارجي، ومع واقعنا الداخلي قبل الخارجي، يجب أن يكون خطابنا متسقاً مع بعضه البعض لراحة ضميرنا، نحن كبشر قبل أن يكون لإرضاء الآخرين

ـ أخشى أن يفهم البعض من كلامك أن هناك اختلالات في بعض “النصوص الدينية”؟

قطعاً الدين ليس هناك اختلالات في الدين بمعناه المقدس، لكن فهم الإنسان له قطعاً فيه خلل، فعندما نتهم هذه الاختلالات لا نتهم الدين بها، وإلا يصبح المقدس غير مقدس، لكن نحن نقول إن الدين براء من أفهام الناس وتقريراتهم التي تجعله في بعض الأحيان يبدو ظاهرياً متضارباً، لكن الأصل أن الدين يقيم اتساقاً في حياة الإنسان ويجعله متوافقاً مع بيئته ومكانه وزمانه ويجعل لفعله منطقاً أخلاقياً. لكن الآن في كثير مما نسمعه تبدو حجة الخصم أقوى، فأنت تتربص به الدوائر وهو اليوم يمتلك القوة لماذا لا ينهيك قبل أن تنهيه لماذا لا يتغدى بك قبل أن تتعشى به، هكذا يقال في المنطق البسيط، فنحن أمة في منطق البعض تنتظر الفرصة حتى تقتحم على الناس بلادهم وتطردهم منها، نحن ننتظر الفرصة حتى نُغِير على الأسبان وننتظر الفرصة حتى نُغِير على الإيطاليين وننتظر الفرصة حتى نُغِير على دول العالم، فمن حق الآخرين عقلاً وبداهة أن يبادروا إلى إنهاء هذا الخطر المحدق بهم
هذا الخطاب الذي نطرحه في كثير من الأحيان يحتاج إلى مراجعة حقيقية حتى يتسق مع بعضه بعضاً، نحن نشتم المعتدين من اليهود ونشتم المعتدين من النصارى ونشتم المعتدين حتى من المسلمين هذا حق طبيعي، لكن في غياب هذه الأسباب ليس من حقنا إيذاؤهم لا بكلمة ولا بلفظ ولا بفعل، والله سبحانه وتعالى يقول: “إن الله لا يحب المعتدين” ، “إن الله لا يحب الظالمين”، هذه محكمات
وأنا في تقديري أن هذا جزء كبير جداً مما يجب أن يحدث في فترة ما نسميه باليقظة، لأنه على هذه القواعد المختلة قامت مدارس شرعية وتواتر الخطاب حتى أصبحت كأنها مسلّمات وأصبح الالتباس أصلاً، وأصبحت المطالبة بإيجاد تناغم بين هذه المساحات المختلفة من الدين تبدو وكأنها بدعة، وكأنها أصل الدين… ونصوص القرآن والسنة لا يُضرب بعضها ببعض

ـ دعني أفترض أن الأمة الإسلامية اليوم هي الأمة القوية المسيطرة، ألا توافقني أن جزءاً كبيراً من هذه الإشكاليات لن تكون مطروحة أو ورادة، بمعنى أن ما تطرحه ربما يكون ناتجاً بسبب ظرف الضعف الذي تمر به الأمة الإسلامية، وليس مشكلة في الفهم الديني بالأساس؟

نحن الآن نتكلم عن المحكمات، رب العزة يقول “إن الله لا يحب المعتدين” ما معنى كلمة المحكم في أصول الفقه؟! هو النص المحكم الذي لا يقبل النسخ في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بعد مماته، فمقررات الأخلاق العظمى، الأمانة والوفاء بالعهد والوعد، والمقررات الأخلاقية العظمى لا تنسف بمطلق الأحوال، كالتوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى، لا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بعد مماته، لا يمكن أن يأتي ناسخ لقضايا التوحيد والإيمان، فسواء كنا في وضع قوة أو في وضع ضعف؛ فالمحكمات هي الأساس، وتفسيرنا لما يجب أن يحدث حتى ونحن في وضع القوة يجب ألا يصطدم مع هذه المقررات. عندما نقول لن نظلم، لن نعتدي، لكن سنرد الظلم سنرد العدوان سنطالب بحقنا في نشر الفكر الإنساني، واليوم المساحات الموجودة ضخمة جداً، تجد أن المستقبل مفتوح أصلاً، لن يحتاج فيه الإنسان أن يعتدي على الآخرين حتى يبلغهم الدين، في بدايات الصحوة كان الكلام على أن الإسلام سيهاجم الآخرين حتى يفتح المساحات التي تحول دون الناس والدين. اليوم لا توجد مساحات تحول بين الإنسان والدين حتى في وضع الضعف، أنت قادر أن توصل الدعوة وأنت في الأخير تقول للناس من شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، نحن نبلغكم دين الله سبحانه وتعالى كما هو، ونجتهد قدر الإمكان أن نبلغكم إياه، إذا صار الاعتداء على المبلغين وعلى الدعوة، حق لهم أن يدافعوا عن أنفسهم وهذا يصبح قانون عدل، لكن قانون الاعتداء يقول فيه رب العزة “إن الله لا يحب المعتدين”، وقانون الظلم: “إن الله لا يحب الظالمين”ـ
ولسان حال الواقع البشري يقول اليوم: “أنا سأسمح لك أن تدعو الناس، عندك الفضاء مفتوح.. ادع من تشاء إلى دينك.. أنا لن أمنعك من أن تتكلم.. ولن أمنع أحداً أن يدخل في دينك..؛ فماذا تريد أكثر من هذا؟!”ـ

ـ لكن هناك حد للردة .. ” من بدل دينه فاقتلوه”؟

حد الردة فيه نقاش كبير جداً ، فحد الردة الذي نتكلم عنه نصوصه ليست نصوص قطعية، بل نصوصه ظنية لذلك الدكتور العوا كتب كتاباً عن حد الردة وهو كتاب شرعي ومنطلقاته شرعية، فيه نصوص كثيرة لا تعد من القطعيات وبالتالي ما لا يعد من القطعيات قابل للتأويل، زماناً ومكاناً وقابل للوقف لظروف معينة هذه قضايا كلها قابلة للنقاش

نحو النهضة

ـ دعني أعود إلى مشروع النهضة، أراك تركز في حديثك على قضية التحول إلى اليقظة، فمتى ستتحقق النهضة إذن؟

حالة اليقظة هي حالة طبيعية إذا الناس امتلكوا أدوات تعامل مع الواقع وحررت فكرها من قيود معينة، فما يطلق عليه عصر النهضة في أوربا لم يكن عصر الإنتاج المادي، كانت هي المرحلة التي تحرر فيها الفكر من قيد العصور الوسطى ومن المقررات التي كانت مسلمات وما هي بمسلمات وهذه مرحلة تسبق عملية إنشاء الحضارات المدنية بشكل كبير وإذا وجدت المدنية بشكل من الأشكال تغذيها وتصلبها، نحن الآن في منطقتنا العربية والإسلامية دخلنا في حالة عمران في كثير من المنطقة العربية، هناك مشروعات تنمية وعمران، لكن عملية الوعي بالمساحات التي يجب معالجتها ستصلب حالة العمران وتحميه، اليوم مثلاً نستطيع بناء لبنان عن بكرة أبيه بعشرات المليارات فيعاد بناؤه بأحدث طراز على كل المستويات ليصبح قلب العالم السياحي، وهذا سيدخل على البلد مليارات، لكن حالة اليقظة التي تقودنا إلى حالة النهضة ستجعلنا مدركين أن هذا العمران يحتاج إلى أن يكون سماء البلد محمياً من طائرات الخصوم، ولابد أن نوفر المعرفة اللازمة حتى يتم حماية الأبنية التي بنيناها وهذا سيدخلنا في الحضارة، وفي الحياة الحقيقية، لأن شراء سيارات “روز رايز” ليس بالأمر الصعب لكن هذا لا يعني أنك دخلت الحضارة. نحن اليوم نمتلك منتجات الحضارة لكننا لانملك الحضارة، فلو تم ردم الفجوة وأدرك المسلمون ما يجب عليهم عمله في هذه العصر بشكل منسق ودخلنا لمرحلة النهضة، التي هي مرحلة الإنتاج العقلي والتفكير في القضايا والدخول في قلب المعرفة الإنسانية حتى ما عمرناه نستطيع صيانته في المستقبل، وما لم ننشئه سينشأ بناء على هذه المعرفة الموجودة، فعملية النهضة تحصيل حاصل للإدراك، إدراك الاحتياجات والعمل على توفيرها.
عندما يعالج العقل الديني قضية الاقتصاد فيقول للناس “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”، حل بسيط ومقنع دينياً، كل ما على الناس في وعيهم البسيط بالدين أنهم يصلون أكثر ويحجون ويعتمرون أكثر وستحل المشاكل بشكل قدري، فهذا الموضوع يصبح ليس دافعه في نطاق الفعل الإنساني وإنما يصبح في نطاق الفعل القدري، بمعنى أننا سوف نعتمد على منطق الفعل القدري، نعتمد على منطق الخوارق وليس منطق الحقائق على الأرض فيصبح هذا عقل مستسلم لإجابات بسيطة هي في حد ذاتها عناوين رئيسة لقضايا كبيرة جداً تحتاج إلى دراسة يملؤها العقل الإنساني باستجاباته، فربّ العزة قال للمسلمين “وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم”. هذا لا يعني أن المسلمين في عصرهم لم يخططوا ويبنوا الجيوش ويطوروا أدواتها وأسلحتها وتكتيكاتها القتالية، هذا جزء ملأه العقل الإنساني بمساحاته لكن النص توقف عند موضوع “وما النصر إلا من عند الله” القرآن الكريم أيضاً يتكلم عن مساحة أخرى “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص” في عصر نزول القرآن كانت القوات تصطف في صفوف، وعند الروم والفرس كانوا يربطونهم بسلاسل حتى لا ينفك عقد المجموعات المقاتلة، اليوم هذا التفسير غير قابل للتطبيق كل الذي نحتاجه أننا نأخذ من هذا المعنى المطلوب منه وهو تصليب الجبهة الداخلية وجبهة القتال وتماسك الجبهتين، ولكن كيف تملأ في هذا العصر هذه المساحة التي تحتاج إلى عقل إبداع إنساني ضخم جداً، العقل الديني البسيط يقدم إجابات بسيطة لهذه المواضيع من هذا النوع، فيعطي عنوناً يلغي الجهد البشري الذي يجب أن يقع، فيصبح عقل المسلم فيه اعتقاد أن الدين قد أجاب عن كل تساؤلاته ليس له حاجة أن يعمل عقله في أي مساحة من مساحات الفعل الإنسانية. فنصل إلى حالة نطلب فيها من الغرب أن يجهز جيوشنا من السلاح إلى ألوان ملابس الجنود، كل هذه القضايا الكبيرة يملؤها العقل الديني بإجابات بسيطة تبدو للوهلة الأولى كأنها نهاية التفكير.
نحن بحاجة إلى مراجعات إذا كنا نعتقد أننا قد وصلنا إلى طرق مسدودة، فلنتساءل ما الذي أوصلنا إلى هذا؟ نحن بحاجة إلى أن نتحرك كأمّة.. كمشروع إلى الأمام مرة ثانية، نفتح الآفاق، وقد نكون نحن الذين سددنا الطريق وأوقفنا التطور؟ كثير من القضايا تحتاج إلى إعمال العقل مرة أخرى. أنا لا أستطيع أن أعدل عقول الآخرين، لكنني أستطيع أن أعمل الجزء الذي يخصني من المعادلة حتى أكون متسقاً مع ذاتي ومع وجودي ومع كينونتي، ورب العزة يقول على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم – ويخاطب الكافرين “وإنّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين”، الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يكون على ضلال مبين، لكننا هنا أمام تسوية في مساحة التفكير أي نحن سنراجع ما نفعله وأنتم تراجعون ما تفعلونه، فالكل قابل أن يخطئ وقابل أن يصيب بكونه بشر ونراجع وننظر، اليوم العقل المسلم يقول لك “لا” نحن لم نخطئ في شيء، هذه الأمور حدثت لأن الكفار تكالبوا علينا، نحن استجاباتنا صحيحة وبالتالي على الواقع الخارجي أن يتغير، وهم عليهم أن يغيروا سلوكياتهم لكننا نسير في الطريق الصحيح، فلو تمادينا في هذا النوع من التفكير لن يتضرر الطرف الآخر، الطرف الآخر منتصر والذي يعمله ناجح بالنسبة له، فهو يتقدم ويزداد قوة ويزداد سيطرة على الأرض والمقدرات و الأرزاق، ونحن نتراجع وننكسر ونهان ونضرب وما إلى ذلك. هذه مجتمعات وهي منتصرة تراجع نفسها، وتراجع مساحاتها في التعليم وفي الصحة وفي الطب وفي العسكر وفي الصناعات، وتخشى أن تصل إلى مراحل الانسداد وتراجع إستراتيجياتها في الخارج وتراجع إستراتيجياتها الاقتصادية وتراجع مساحة العالم وكيف تتم الحركة فيه وتراجع دور القوة الكبيرة والصغيرة والناشئة فيها ونحن نتأبى عن المراجعة.

ـ هناك كلمة قرأتها في أحد أجزاء مشروع النهضة، أشعر أنها بحاجة إلى مزيد من التوضيح، تقول: “القادة الذين لا يجيبون على أسئلة الواقع يسمحون بتفجير الأوضاع من حولهم ثم يستنزفون كامل طاقاتهم لإخمادها”؟

نعم لما ننظر إلى التيارات الإسلامية والسلمية منها تحديداً، نجدها تدخل في الانتخابات وتصل إلى البرلمان وتجد أن القرارات الفعلية غير موجودة في البرلمان، فطاقات أفرادها تستنزف في هذه المساحات، بينما السؤال الحقيقي هو في تناقضها مع الدولة المركزية التي وجدت في المنطقة العربية والإسلامية فيما بعد عمليات (الاستقلال)، فهي إذن لم تحل التناقض الرئيس، ونحن نتكلم عن حركات سلمية، بأنها تقرأ ماذا يريد الطرف الآخر وما الذي يتخوف منها؟
فالحكومات تسد عليهم الباب، ويقولون نحن لا نريد حزباً إسلامياً دينياً، وتقول سندخل كمستقلين، الدولة تجدهم فازوا كمستقلين، فتدمر العملية السياسية بالكامل، وتقول البرلمان ليس له دور، فيعود الناس الذين هم داخل هذه التنظيمات فيقولون ماذا أنجزتم وما الذي تفعلونه؟ وتعود الأسئلة في الداخل ويبدأ التآكل الداخلي والاصطدام الداخلي وتبدأ هذه المنظمات تفكر في كيفية حل إشكاليات فرعية، في إخراج معتقليها وملاحقة الانشقاقات، وتبدأ الانكسارات الداخلية فتطاردها حتى تحلها، وعندما تحدث قضية كبيرة جداً كتدمير دولة كبيرة مثل العراق، يقول قادة هذا التنظيم لا يوجد لدينا وقت، نحن عندنا الآن مشاكل محلية وعندنا معتقلين وعندنا … وهذه تستنزف طاقاتنا.. فمن الذي خلق الإشكاليات؟ لأن الأسئلة الرئيسة لم يتم الإجابة عليها وذهبنا في إجابات فرعية، والإجابات الفرعية ولدت مشاكل، أصبحنا نطفئ حرائق، وبدأت تمر الأحداث الكبيرة ونحن مشغولون بإطفاء الحرائق الصغيرة هنا وهناك، هذا الآن مشهد متكرر أينما ذهبت
السؤال كيف نخرج و نوجد ملاءمة حقيقية بيننا وبين الواقع الخارجي لا يستنزف طاقات الدول في أنها تطارد الإسلاميين متشككة في نواياهم، لأنه من حق الدول أن تخاف، عندما تكون الفكرة الرئيسة في الأدبيات الإسلامية أن هذه الدولة الفاسدة وأنشأها الاستعمار، وأن الحكام هم عملاء الاستعمار فمن حق الآخرين أن يصابوا بالرعب ويحاولوا وقف الخطر الآتي وينشئوا الأجهزة ويستنزفوا أموال الدولة في متابعة هذه الظواهر، وفي نفس الوقت عندما يصادرون طاقات هؤلاء الشباب هم يصادرون أفضل طبقات المجتمع، فالمجتمع يصبح فيه استنزاف مالي، وطاقات من داخل الدولة، وفي الطاقات الشابة التي كان يمكن أن ينتفع بها بمساحات مختلفة سواءً كان عبر إقصائها عن مناصب الفعل أو إدخالها في السجون والمعتقلات
هذا التآكل يحتاج إلى مراجعة، نحن جربنا هذا الحل نحن والحكومات وأدى هذا الأمر إلى خسائر على الطرفين، وزاد ضعف المجتمعات ضعفاً على ما هي عليه، فكيف نوجد ملائمة حقيقية ومصالحة مع الذات أولاً، مع الذات الرسمية “الحكومات”، ومع الذات الاجتماعية “مذاهب ،أعراف، اجتهادات مختلفة”، ومصالحات إقليمية عالمية. لكن للأسف لا توجد عندنا جرأة للمراجعة، بل عندنا آليات داخلية لقمع المراجعات

ـ أنت تدعو إلى مراجعات حقيقة، لكن ما هو الحل والبديل في نظرك؟ كيف تنظر إلى المستقبل؟

المستقبل الذي نطلبه لا يبدو غريباً عما تطلبه الأمم الأخرى، فإذا نظرنا مثلاً إلى الإستراتيجيات العالمية في الولايات المتحدة الأمريكية، لو قرأت وثيقة الرئاسة الأمريكية، ربما آخر وثيقة قرأتها في عهد كلينتون، تجد أنها تنص على عدة واجبات على الرئيس:ـ
المسألة الأولى: يجب أن يحافظ الرئيس على المنظومة القيمية الغربية، فلو حذفت “الغربية” ووضعت بدلاً منها “الإسلامية” ، فتتسق العبارة
المسألة الثانية: المحافظة على رفاه ونمو المجتمع الأمريكي، فلو حذفت “المجتمع الأمريكي” ووضعت أي أمة أخرى تؤدي نفس الغرض
المسألة الثالثة: المحافظة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتشكيل العالم باتجاه خدمتها، كالمحافظة على الأسواق العالمية، وفتح أسواق جديدة للولايات المتحدة الأمريكية وعندهم هدف خاص وهو رعاية إسرائيل كدولة. يمكنك أن تتكلم عن رعاية فلسطين كمجتمع ودولة وجزء من الأمة الإسلامية
على هذا الأساس نحن لسنا غريبين عن هذه القضايا التي تشغل كل المجتمعات التي تريد تحقيق مثل هذه الأشياء، فعلى مستوى المستهدفات ليس لدينا هدف غريب عن الأهداف العالمية، أو على مستوى التنمية، العالم يتكلم عن مستويات، مستوى البنية الفوقية في المجتمعات التي هي النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاكمة، يتكلم عن البنية التحتية للشوارع والمرافق والأبنية المختلفة في المجتمعات التي نريدها، ويتكلم عن البنية المعرفية الموجودة في المجتمع وتحتاج إلى تطوير
كيف نخطط لذلك ونعمله أيضاً؟ لسنا في حاجة إلى شيء سحري، فاليوم نحن نتكلم عن مساحة المعرفة، فإما أن تنتجها بالكامل عن طريق اقتحام مساحات جديدة أو أن نفعل ما يسمى بالهندسة العكسية أن تنظر إلى ما أنُتج وتعيد تكتيكه وهضمه ثم بعد ذلك اقتحام مساحات جديدة من المعرفة، فمثلاً الصواريخ موجودة في العالم؛ في إيران أو كوريا الشمالية، وكانوا قد اشتروا صواريخ من الصين ومن الاتحاد السوفيتي وأعادوا تقنيتها وهضموا المعرفة فيها وبدؤوا في تطوير مساحات كانوا يجهلونها كمساحة العلوم النووية، وضعوا أقدامهم عليها وانطلقوا في البحوث الموجودة فيها وأنشأوا لها المعارف، والصراع العالمي اليوم على وقف إنتاج المعرفة في هذه الجوانب. عندما أرادت أوروبا أن تتطور أصلحت عالم الأفكار وانطلقت لفضاء العلوم الإنسانية والفلسفة ومحاولة تعلم الجديد، وعلى المساحة الدينية أقاموا صلح “باستبالية” الذي يمنح كل الأديان حرية الحركة في مقابل عدم استخدام العنف أو القسر في نشر الدين، على مساحة التطور السياسي أقاموا آليات كي يتم حسم الخلافات بدون الوصول إلى استخدام السلاح والعنف لا من قبل السلطات الحاكمة ولا من قبل أفراد المجتمع؛ ففعّلوا الآليات الديمقراطية الموجودة في العالم
الطريق ممهدة لكن تحتاج إلى إرادة وتحتاج إلى أن نبشّر بهذه الأفكار وندعو لها ونتحرك في اتجاهها، وهي حالة المشروع الإسلامي بتجلياته المختلفة “سلفيين، تبليغ، إخوان مسلمين، حكومات، أفراد مستقلين” ولابد أن نصل بآليات فعلية إلى هذه المساحة الضخمة من البشر ونحرك القدرات الموجودة فيها بحيث يصبح عندنا مفهوم أساسي، أن “هذه أمتكم أمة واحدة” مفهوم حقيقي على الأرض لا تصادمه التحيزات التنظيمية بل تعززه وتدعو له، و هذا المستقبل الذي أراه والله أعلم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: