د.جاسم فى حوار مع موقع “الإسلاميون.نت”ـ

في 31 يناير 2009 تم انتخاب شيخ شريف شيخ أحمد كرئيس للصومال؛ لتبدأ حقبة جديدة يتولى خلالها الإسلاميون مقاليد الحكم، ولعل أحد أبرز ملامح هذه الحقبة الإقرار بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، وتشكل العديد من الكيانات الإسلامية الجديدة كالحزب الإسلامي، وهيئة العلماء، وعودة المعارض الإسلامي البارز حسن ضاهر أويس إلى مقديشيو.
وبحكم قربه من الحالة الإسلامية في الصومال ولقاءاته المتعددة بالكثير من الرموز الإسلامية هناك، أجرينا هذا الحوار عبر البريد الإلكتروني مع الكاتب القطري د.جاسم سلطان، والذي أكد خلاله على أن الشيخ شريف هو رئيس إسلامي نجح في تحقيق الأمن إبان تزعمه للمحاكم الإسلامية، مستبعدا المقارنة بينه وبين الرئيس الأفغاني حامد كارزاي، الذي وضعته أمريكا على كرسي السلطة، واعتبر جاسم في الحوار أن تعدد اللافتات الإسلامية هو دلالة عافية للحركة الإسلامية الصومالية، نافيا أن يكون هناك تعاط أمريكي إيجابي مع تطبيق الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أن الموافقة الأمريكية المبدئية هي من أجل التجريب والدراسة.
كما يعرض سلطان للأفكار السجالية بين الفرقاء الإسلاميين في الساحة الصومالية حول تطبيق الشريعة، ومفهوم الدولة الإسلامية، وغيرها من القضايا، ويحيل في عرض الرؤية الموقفية من هذه القضايا إلى محددات منهجية، وخصوصية الحالة الصومالية ذاتها.

*على الرغم من الإجماع الدولي على شخصية شريف شيخ أحمد، إلا أن هناك جماعات صومالية محلية تعارضه، خاصة حركة الشباب المجاهدين المسلحة، وترى فيه “كارزاي صومالي” على غرار “كارزاي أفغانستان”.. من هنا كيف تقيم الشيخ شريف كرئيس للدولة؟.
-ليس هناك وجه مقارنة بين الشيخ شريف وبين كارزاي، فشريف لم يكن أمريكيا، ولم يكن خارج الصومال، فهو ابن الصومال، وابن المحاكم الشرعية، بل زعيمها، والمشرف على تطبيق الشريعة الإسلامية، قد تصح المقارنة من حيث وجود فريق على غرار القاعدة في الصومال بنفس الأفكار والمناهج، وهي تكاد تكون المقاربة الوحيدة الممكنة.
الشيخ شريف إسلامي، خلفيته الأساسية شرعية، تزعم الحركة التي وفرت الأمن قبل دخول الإثيوبيين إلى الصومال، وبالتالي يجب ضبط المعايير حتى تكون المقارنات منصفة.

*هناك مقولة مفادها إن أهل الصومال يجيدون الحرب أكثر مما يجيدون السياسة، وإن الرئيس الجديدة شيخ شريف لن يشذ عن هذه القاعدة، باعتبار أنه غير ناضج سياسيا، وأنه لن يتمكن من احتواء كافة فصائل المعارضة الإسلامية.. ما رأيكم في هذا الكلام؟.
يرفع شريف شعار الحوار لحل مشكلة الصومال
-الصوماليون يجيدون الحرب.. نعم، هذا ما وجدوا أنفسهم فيه، وهم قبائل، والقبائل بطبيعتها تمتلك القدرة على القتال، والشيخ شريف أحد أبناء هذه القبائل، وبخصوص الشيخ شريف فلا شك أن هناك من يشذ عن القاعدة، ففي كل مجتمع أو حركة هناك العقلاء وهناك غير العقلاء.. في كل الصومال، هناك من ينظر إلى مصلحة البلاد ويفاضل في الأولويات، وهناك من لديه أجندة واحدة لا تتغير، الشيخ شريف منذ البداية له طرح واحد لم يغيره أو يبدله، أن الحل الأساسي لقضية الصومال هو الحوار، وما زال يطرح على جميع الفصائل قضية الحوار والاتفاق على أجندة واحدة، أما عن قضية إمكان احتوائه كافة الفصائل، فأرى أنه لا يفترض في بلد فيه حرية حقيقية أن يتم احتواء لأحد، وإنما يجب أن يتم التفاهم، وحتى الآن المؤشرات تدل على صعوبة حدوث هذا التفاهم، وإنا لست من المقربين من الشيخ شريف، فلم ألتقيه قط، لكنني التقيت ببعض المقربين منه، وأرى من خلال النقاشات أنه يمتلك الكاريزما وقوة الشخصية، ويضاف إليهما التجربة الآن.
وأعتقد أن التجربة أنضجت الكثير من المفاهيم لدى الفريق الذي يعمل معه، وكثير منهم من العقلاء القادرين على التفكير المنهجي في سبيل التفاهم مع القوى المختلفة في الصومال، ورغم صعوبة التفاهم إلا أن هناك مبشرات، فأكبر قسم من الشعب الصومالي انضم إلى فكرة إقامة الدولة، إلا أنه لا يزال هناك فريق مقاتل، هذا الفريق المقاتل رغم أنه الأقل عددا إلا أنه الأعلى صوتا إلى الآن.
والتعامل مع هذا الوضع يمكن عمليا من خلال حل ذي شقين، الشق الأول هو تقوية الدولة الوليدة، وإيجاد سبل عيش لأكبر قدر من المقاتلين، وبعد ذلك يتم التعامل مع الجزء الباقي إما تفاهما وإما قتالا.

*بالنظر إلى قرار تطبيق الشريعة الإسلامية الأخير الذي صوت عليه البرلمان الصومالي بالإجماع.. هل يمكن أن ينجح هذا القرار في تجميع صف الجماعات الصومالية، ووقف حالة الحرب، والتناحر بين الإسلاميين والحكومة، وهل القضية في الصومال هي مشكلة تطبيق الشريعة فقط أم ماذا؟.
-أعتقد أن هذا القرار خطوة في الطريق، وليس كل الطريق، إذ لم يكن السؤال المطروح على الصومال هو سؤال تطبيق الشريعة، فهي مطبقة بالفعل، وكان على رأس جهاز التطبيق رئيس الدولة الحالي الشيخ شريف، المعارضة الحالية طرحت مجموعة مطالب، فبدأت بطلب إخراج القوات الإثيوبية، وبالفعل تم ذلك، كما طالبت بتطبيق الشريعة الإسلامية، وصوت البرلمان على ذلك، والآن يطالبون بخروج القوات الإفريقية، وستخرج القوات الإفريقية، فما الذي يمكن أن ينتجوه من حجج بعد ذلك؟ الله أعلم.
فالأجندة لا يمكن أن تخلو، وآخر ما سمعته هو مطالبة رئيس الحزب الإسلامي بأن يتم تفتيش منازل المسئولين لمعرفة مدى تطبيقهم للشريعة في بيوتهم، عندما نصل إلى هذا المستوى من التفكير تصبح البوصلة ضائعة تماما وليست منطقية، ونأمل أن يعود الناس إلى رشدهم.

الشريعة في الصومال
*ثمة علامات استفهام كثيرة تحيط بقرار الحكومة الصومالية بتطبيق الشريعة الإسلامية وأولها هو الدعم الأمريكي والإثيوبي لهذا القرار، فالقوات الإثيوبية تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أسقطت المحاكم الإسلامية بقيادة شريف شيخ أحمد بعد ست أشهر فقط من إعلان المحاكم تطبيقها للشريعة.. ما تفسيرك لهذا التناقض، وكيف نفهم أن الذي أسقط حكومة شريف لتطبيقها للشريعة هو نفسه من يدعمها الآن؟.
-أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا قد استنفدا معظم الحلول لإجهاض مشروع تطبيق الشريعة ولم يفلحا، واستقرار هذه المنطقة -خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها- أصبح من أولويات العالم؛ لأنها منطقة استقطاب لكل المعترضين على النظام الدولي، وحركة القرصنة أصبحت مقلقة لكل القوى الدولية، وهذه هي اللحظة التاريخية المناسبة للصومال للانفكاك بحريته من هذه المنظومات بعملية تبادلية، أن تقوم دولة وطنية حرة في الصومال، يقودها أناس مخلصون من أهل البلد، وفي نفس الوقت تحصل القوات الدولية على نوع من الاستقرار في هذه المنطقة، وتضمن عدم تهديد مصالحها من هذه الدولة، وتلك كانت معادلة حركات الاستقلال التي تجد منافذ معقولة فقط في أثناء حدوث اختلالات في النظام الدولي يعطيها الفرصة لافتكاك الحرية النسبية من النظام الدولي المهيمن.
والقوى الغربية في العموم ليست قوى إطلاقية تقول إما هذا أو ذاك، نحن نعلم أن هناك سلما كبيرا من الاحتمالات يمكن أن تدرسه، وأحد هذه الاحتمالات أن تطلق لهذه التجربة العنان، فإذا نجحت يمكن تكرارها في أماكن أخرى، ما دام أنها لا تهدد أمن القوى العظمى، ولا تشكل حالة أممية.

*أيضا هناك سؤال يتعلق بالشريعة الإسلامية ذاتها والموقف الأمريكي السلبي منها على اعتبار أنها لا تراعي حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالحدود والعقوبات -كما تقول أمريكا- فكيف نفهم هذا التعاطي الإيجابي الأمريكي مع تطبيق الشريعة في الصومال ووادي سوت في باكستان، وهل تحولت الشريعة الإسلامية إلى تكتيك أمريكي جديد لمحاربة الجماعات المسلحة، وتفويت الفرصة عليها في الصعود إلى السلطة بعد التقدم العسكري الذي تحققه على أرض الواقع؟.
ليس هناك تعاط إيجابي مع تطبيق الشريعة الإسلامية بالعموم، فإذا كان سبب عدم استقرار هذه المناطق هو الشريعة الإسلامية، فهذا قابل للتجربة والدراسة، وتبدو لي هذه المناطق بمثابة نقاط اختبار لفكرة أن هذه المناطق بالأساس لا تصلح لديمقراطيات على الطراز الغربي، لكن إذا توفرت فيها الشروط الدنيا من الانتخابات والاستقرار، فهذا كاف بالنسبة للمشروع العالمي، ولا يضره بعد ذلك ماذا سيفعلون، هل سيقطعون الأيدي أو الرءوس؟ ساعتها يصبح هذا الأمر شأنا داخليا يمكن تجربته.
والصومال الآن مختبر لفكرة أن تترك للشعوب الحرية في أن تمارس ما تراه هي حقا وعدلا لتمارسه في مناطقها وبمنطقها، دون أن تمس النظام الدولي ومصالحه.
الشباب المجاهدون والقاعدة.

ما بين “الشباب” والقاعدة روابط فكرية فقط
*يختلف الكتاب والباحثون في شئون الحركات الإسلامية حول علاقة حركة الشباب المجاهدين السلفية الجهادية بتنظيم القاعدة، وهل هي علاقة تنظيمية أم مجرد علاقة فكرية فقط؟ فما رؤيتكم لهذه العلاقة، مع مراعاة الخطابات المتعددة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، والموجهة بالأساس إلى قيادة الحركة وتشجيعها على مواصلة القتال ضد حكومة شريف؟.
– يبدو لي الالتقاء في ثلاث زوايا:
الأولى: هي زاوية فكرية، فمعظم الحالة الإسلامية تستبطن فكرة الخلافة والأممية، اليوم مقديشو وغدا روما، هذه الفكرة تشكل قاعدة مشتركة للحوار والحديث وتستند إلى تأويلات لنصوص ومرجعيات دينية.
الزاوية الثانية: هي العدو المشترك المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية.
الزاوية الثالثة: هي البيئة والمناخ؛ حيث تغيب القوة المركزية للدولة؛ حيث يغيب الضابط والرابط، وتظهر مناخات متشابهة.
وأستبعد في هذه الحالات وجود التنظيم الهرمي؛ بمعنى اتصال الصومال بأفغانستان مثلا تحت قيادة موحدة تتلقى الأوامر عبر بنية هرمية، أعتقد أن هناك توجها فكريا، وصلات روحية، ونوعا من التبني لنفس الخطاب، وهذا لا يمنع من أن هذه الحركات تشكل ملاذا للمطاردين من أصحاب نفس الفكر والتوجهات؛ حيث توفر لهم الأمان.

*بالنظر إلى مبادرة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، فكيف تقيم تأييد الاتحاد برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي لحكومة الشيخ شريف، وأيضا نداء الشيخ سلمان العودة للمصالحة، هل تصلح مثل هذه المبادرات لإنهاء حالة الخلاف الموجودة؟ وهل هذا التعاطف دليل على أن التجربة الصومالية بداية لدولة إسلامية؟.
-هل فعلا كان هؤلاء العلماء يقصدون “الدولة الإسلامية” بالألف واللام بما يفيد الاستغراق؟ أم إنهم كانوا يقصدون وجود مجتمع مسلم يحتكم للشريعة الإسلامية، ويطبق الإسلام في حدوده الدنيا، وليس بمعناه الأممي الكوني المتداول في الفكر الإسلامي؟ أي يعنون دولة وطنية تقنع برعاية مواطنيها، وإقامة الاستقرار والتنمية والكرامة، أعتقد أن أغلب المبادرات تتحرك في هذا الفضاء، مستفيدة من الخبرة التاريخية في أزمة الجزائر وأزمة أفغانستان؛ حيث لم تستطع كل الجهود والتضحيات التي بذلت أن تتبلور على الأقل في مجتمع متصالح مع نفسه وقابل للحياة.
وبالتالي يرغب هؤلاء الفضلاء ألا تتكرر التجربة الأليمة، وأن يستطيع الصومال أن يقدم نموذجا على إمكان تجاوز هذا المشهد.

*على الرغم من ترحيب بعض الجهات الإسلامية الصومالية بقرار تطبيق الشريعة إلا أن رفض بعض الفصائل الإسلامية المعارضة كشباب المجاهدين جعل البعض يقول إن الصراع الحالي سينتقل مستقبلا من صراع على تطبيق الشريعة، وإقامة العدل بين الناس، إلى صراع على السلطة والحكم، فما رأيكم؟.
ليست المشكلة في تطبيق الشريعة الإسلامية، المشكلة في الحاجز النفسي بين الفئات؛ حيث راهنت المعارضة على أن الشيخ شريف ومن ذهبوا معه إلى جيبوتي لن يعودوا بشيء، وأن القوات الإثيوبية لن تخرج، وأن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يقر البرلمان تطبيقها، وعندما نجح في إخراج الإثيوبيين عبر الحوار، وها هو ينجح مرة أخرى في الفوز بالإجماع البرلماني الصومالي على تطبيق الشريعة؛ أصبحت الأطراف الأخرى في حرج، ولابد أن تجد الذرائع الأخرى للاستمرار في الصراع، وهذا هو الوضع الأصعب؛ لأنه غير قابل للنقاش، فلابد من وجود سبب للقتال، بداية من طرد القوات الإثيوبية، ثم الإفريقية، ثم تطبيق الشريعة، ثم مراقبة منازل القادة للتثبت من مدى إقامة الإسلام في بيوتهم.
وهذه قضايا متعلقة بالجانب النفسي لدى بعض الإسلاميين –مثلهم مثل كل البشر- حيث إن صراعهم ليس فقط من أجل السلطة وهذا وارد، بل الأهواء والغيرة والحسد تلعب أيضا دورا في ذلك، وإثبات أن الآخر لم ينجح، من أجل حفظ ماء الوجه، وسلخ النجاح عن أي عمل يقوم به المخالف.. لسان حالهم “لو كان خيرا ما سبقونا إليه”.

خصوصية إسلاميو الصومال
*للحالة الإسلامية الصومالية خصوصية تميزها عن غيرها من الدول الإسلامية، فمن الحركات الإسلامية ومرورا بالمحاكم الإسلامية، وحركة شباب المجاهدين، وتحالف إعادة التحرير، والجبهة الإسلامية، وأخيرا بالحزب الإسلامي الصومالي تعددت اللافتات والأسماء، ألا تعتقد أن كثرة الأسماء واللافتات جزء رئيسي من المشكلة في الصومال؟.
قد يستمر الصراع إلى ما لا نهاية
-بالنسبة للأسماء والمسميات يمكن النظر إليها كدلالة على العافية، فالحركات الإسلامية كانت مرحلة تاريخية قبل تشكل نظام موحد في المجتمع الصومالي الذي أطلق عليه “المحاكم الإسلامية”، وعندما أسقطت الحكومة برزت فكرة حركة شباب المجاهدين التي كانت جزءا من المحاكم، وتحالف إعادة التحرير الذي كان مركزه في إريتريا، وكانت فكرته إقامة تحالف بين قوى متعددة من الإسلاميين وغيرهم لإعادة تحرير الصومال، والجبهة الإسلامية في نفس الاتجاه، وأخيرا الحزب الإسلامي الصومالي الذي عاد ليكون واجهة سياسية للقوى للمعارضة للنظام، باعتبارهم أشد إسلامية من القائمين على الحكم.
فليست المشكلة في كثرة الأسماء، المشكلة في نمط التفكير، هل يجب إقامة صومال يقنع بإطاره الوطني، وتقام فيه الشريعة، ويكون فيه برلمان ويحدث استقرار في البلد؟ أم يجب أن يكون على رأس هذا النظام نفس الشباب المقاتل؟ وفي حالة حدوث ذلك سيستمر الصراع إلى ما لانهاية؛ لأن فكرة الدولة الوطنية ليست هي ما يتبنونه.
وبالتالي فالأسماء تمثل مراحل في الحياة الصومالية، وبروز بعض المسميات ناتج عن تنوع المراحل، ولو سارت الأمور كما تشتهي حكومة شريف سيتبلور مجتمع صومالي فيه حكومة وأحزاب ككل المجتمعات في العالم.

*يقتصر فهم المتابعين لقرار تطبيق الشريعة بأنه يتعلق بالعقوبات، وإقامة الحدود، وقطع الأيدي، لكن أبواب الشريعة أوسع من العقوبات والحدود، والواقع في الصومال يؤكد أنه عندما تستولي مجموعة إسلامية على مدينة أو قرية لا تتوفر فيها أدنى مستويات الخدمات العامة من الصحة والتعليم والأمن، فترى الإسلاميين يتحمسون لإقامة الحدود قبل توفير الخدمات الضرورية.. فما رأيك في ذلك، وهل هذا يخدم الحركات الإسلامية أم يضرها؟.
-لا شك أن مما نرصده من خطاب تطرحه هذه الجماعات الجهادية بشكل عام نجده خطابا خاليا من الرشد، يحصر الشريعة الإسلامية في جانب العقاب، ويبدو تعريفه للشريعة مختزلا في الحدود، وهو اتجاه له جذوره في الفكر الإسلامي المعاصر الذي كان يحتج على الدولة المعاصرة بقضايا إقامة الحدود.
والصومال ليست استثناء عن هذا الواقع والتكوين الفكري، والصومال أغلب قواه تدرك أن الإسلام أوسع من ذلك، وهي القوى الأوسع في المجتمع الصومالي، فهناك قوى قدمت كثيرا في مجال الصحة والتعليم والأمن للمجتمع في السابق، ولا تزال تقوم بدورها وهي في الحكومة الآن، ونفس المجموعة التي مع الشيخ شريف -وقد التقيتهم وتحاورت معهم- هم ممن يرون أن إقامة الإسلام أوسع من إقامة الحدود، وإقامة مجتمع العدل والحرية والكفاية مقدم على قطع الأيدي والرءوس.
لكن أيضا هناك جانب مهم في الحياة الصومالية، أن المجتمع لم يتطور حتى في بنيته الكلية لإدراك الفوارق بين الإسلام في عمومه وفي كلياته، وبين نظام صغير داخل الإسلام وهو نظام العقوبات، ورغم ذلك نذكر أنه لم يشاع في الصومال على أن هناك مبالغات تمت أثناء فترة تطبيق الشريعة في قضايا الحدود.

*إلى أي مدى يمكن النظر إلى تعدد المرجعيات الدينية مشكلة، لاسيما أن جميع قادة الجماعات والأحزاب الإسلامية في الصومال هم من العلماء المجتهدين، ولكل منهم اجتهاده الخاص، ويضاف إلى هذه المشكلة أن الصومال لا يزال يفتقد للأمن والسلام الاجتماعي والتنمية.. التي من شأنها أن تكون بيئة مناسبة لتطبيق الشريعة، فهل في استطاعة الحكومة الجديدة تجاوز هذه العقبات؟.
-الصومال شافعية بالأساس، وهذا يمثل أرضية مشتركة في الفتيا والرأي، خاصة أن القضايا المطروحة في عمومها الآراء فيها متقاربة؛ حيث تتعلق بالحياة الاجتماعية، أما في الحياة السياسية فليست المشكلة في قضايا الشريعة الإسلامية؛ لأنه يمكن أن يقال إن الشريعة لم تمارس في هذا العصر الفقه بمعناه الأصيل، فإذا تم الاتفاق على الدولة وقوانينها يكون جزءا كبيرا من هذه القضايا قد زال تلقائيا.
وتجربة المحاكم تعطي سندا لفكرة تطبيق الشريعة؛ لأنه بالفعل طبقت في وجودهم من قبل، ولم تكن هناك إشكالية في التطبيق، وقد تبرز الإشكالية بعد ذلك عندما تقنن الشريعة، في الاختيارات الفقهية، وفي حالة استقرار الدولة يمكن الاستعانة بخبرات من الخارج تعين في تجاوز هذا المشكل؛ لأن المسلمين استطاعوا تاريخيا تجاوز هذا المشكل في الدولة العثمانية وغيرها، فتعدد المرجعيات في المجال الشرعي ليس المشكل الأبرز في الصومال.

خبرة الإسلاميين
*يرجع كثير من المراقبين الإخفاقات التي تتعرض لها جهود وتجارب الإسلاميين في الصومال إلى غياب الخبرة والمهارة اللازمة للممارسة السياسية الفعالة؛ فما تعليقك على هذا التفسير؟.
-غياب الخبرة والمهارة هي حالة عامة في الحالة الإسلامية؛ لأن المكون الفكري الأساسي جوهره العقائد والعبادات والأخلاق، وحين يرتقي إلى مستوى سياسي واقتصادي واجتماعي فلا يعرف سوى الفعل القتالي، لكن الخبرة تكتسب بالممارسة.
وأعتقد أن الصومال مر بخبرة في الممارسة منذ الفوضى التي نشأت، ثم تنظيم الأمور من خلال المحاكم التي أعادت للبلاد الاستقرار، ومن قبل خبرة إنشاء المؤسسات التعليمية والصحية، والبلد مفتوح كذلك على الخبرات الخارجية المضافة.
كذلك هناك كثير من خبرات الصومال موجودة في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا، وشهدنا مع الأزمة عودة العديد من الكوادر إلى الصومال، فالصومال ليس فقيرا في الكوادر التي تم تدريبها في مجتمعات راقية، لكن ممارسة السياسة في مجتمع متخلف تقتضي أحيانا ما هو أكثر من إدراك كيفية الممارسة السياسية.
لا أرى مشكلة في قضية التفكير السياسي في ضوء من قابلتهم، فالتحدي يكمن في إدارة الواقع ومعالجته، والتعامل مع من لا يتقبلون الممارسة السياسية، ويعتقد أن السلاح دائما هو الحل.
لكن أعتقد أن الكتلة الكبرى من الصوماليين مستقرة على موضوع إقامة الدولة وأجهزتها، والتحدي الكبير أمامهم كذلك هو توفر الدعم المادي لبناء قوات الأمن وإعادة الاستقرار.

عودة أويس وأفغنة الصومال
يغلب على خطاب أويس الدعوة للقتال
*هناك تخوف كبير في حال فشل حكومة شريف من “أفغنة الصومال” وعودة الأمور إلى ما كانت عليه من حرب واقتتال.. كيف ترى المستقبل، خاصة بعد عودة الشيخ حسن ضاهر أويس وإعلانه معارضته حكومة شريف؟.

– الصومال بالفعل في حالة “أفغنة”، بمعنى أنه يعيش حالة صراع طويل لا يهدأ، اعتاد عليه الناس، بل لا توجد مهن أخرى شائعة للشباب الذي لا يجد عملا سوى حمل السلاح، فهي حالة مستمرة، فحتى مع وجود حكومة الشيخ شريف تظل الحالة الكلية للمجتمع هي حالة “أفغنة”، فمحاولة إنشاء حكومة وتوافق وطني، وأن الشريعة الإسلامية هي أساس الحكم في الصومال، وإخراج القوات الإثيوبية من الصومال (وقد تم)، كلها من أجل إخراج الصومال من هذه الأزمة، وإدخاله إلى مستوى الحوار العاقل، وتأسيس مجتمع مستقل.
أما عن عودة الشيخ حسن ضاهر أويس، ولقائه بشيوخ القبائل، ورؤيته للمشهد في الصومال على الحقيقة، واستمرار مد الشيخ شريف يده لكل القوى؛ قد يساهم هذا كثيرا في التخفيف من ظواهر المشهد المتأزم بين الأطراف.

فأغلب من قابلتهم من المقربين للشيخ شريف كانوا أقرب للمصالحة والحوار، بينما يغلب على خطاب الشيخ حسن والمجموعات التي معه أنه قتال إلا مالا نهاية، وشروط تعجيزية باستمرار، لكن إذا تكتل المجتمع الصومالي بقبائله ونسائه وأطفاله في ظاهرة توحد، ومطالبة عامة لوقف مشهد الاقتتال، والخروج من هذا المأزق، فربما وجدت القوى نفسها التي تحمل السلاح أن المجتمع نفسه لا يقبل هذه الممارسة، وأنه آن الأوان للتفاهم والتعاون مع حكومة الشيخ شريف؛ لإخراج البلد من مأزقه، أو لمعارضتها في انتخابات حرة بدلا من حمل السلاح لإسقاطها، ثم الدخول في المجهول

——–

المصدر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: